فهرس الكتاب
إن النهضات الإنسانية البحتة لا تبلغ تمامها إذا أشرف عليها صغار القلوب وعبيد أنفسهم. فإن الله قدر ـ في نظام هذا الكون ـ أن العظائم كفؤها العظماء، وأن من طلب عظيما خاطر بعظيمته. فإن يك هذا في ميدان العمل للدنيا أمرا لزاما فهو في ميدان العمل للدين ألزم وأحكم!... كنت أحسب أحمد بن حنبل رجلا يغلب على تقواه التزمت، وعلى مذهبه في الفقه القسوة والصرامة . ولعل لفيفا كبيرا من العامة والخاصة يحسبون الرجل كذلك. وهذا وهم يجانب الصواب. وأروع ما قرأته وأكبرته وأغرانى بالتعرف عليه موقفه الكريم يوم طلب منه ـ بالسب والضرب ـ أن يشارك في بدع المتكلمين وأن يقول بخلق القرآن.. قال أحمد: وجىء بالضرابين ومعهم السياط فجعل أحدهم يضربنى سوطين ويقول له المعتصم: شد قطع الله يديك، ويجىء الآخر فيضربنى سوطين، ثم الآخر كذلك، فضربونى أسواطا حتى أغمى على وذهب عقلى مرارا. فإذا سكن الضرب يعود إلى عقلى. وقام المعتصم يدعونى إلى قولهم فلم أجبه. ورجال حاشيته يصيحون: ويحك. الخليفة على رأسك، فلم أقبل.. وأعادوا الضرب ثم عاد إلى فلم أجبه.. فأعادوا الضرب فذهب عقلى فلم أحس به. وأرعبه ذلك من أمرى فأطلق سراحى، ولم أشعر إلا وأنا في حجرة من البيت وقد أطبقت الأقياد على رجلى.. قال ابن كثير: وجاء الأطباء إلى الإمام المعذب فقطعوا لحما ميتا من جسده ، وجعلوا يداوونه حتى عاد إليه روحه الذى كاد يزهق، فلما شفاه الله بقى مدة وإبهاماه يؤذيهما البرد.. أتدرى ما كان موقفه بعد؟ ص _ ص 4