فهرس الكتاب
جعل كل من آذاه في حل إلا أهل البدع! وكان يتلو قوله عز وجل: (...وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم …) . يقول: ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك وقد قال الله: (...وجزاء سيئة سيئة مثلها فمن عفا وأصلح فأجره على الله إنه لا يحب الظالمين... ) . وينادى المنادى يوم القيامة: ليقم من أجره على الله فلا يقوم إلا من عفا... ولست أسوق هذا الكلام في معرض المهادنة للاستبداد السياسى كما قد يسبق إلى أذهان الجهلة، فإنى منذ أمسكت بالقلم لم أتريث في مهاجمة الجبابرة والإعانة عليهم بالتافه والجليل . وكم أعيانى تدريس الحريات الاقتصادية والسياسية لجماهير من المتدينين ما كانت تعقل في الإسلام شيئا منها. وإنما أسوق كلام ابن حنبل ليعرف الناس أن الرجولة لا تحقد. وأن الأتقياء فوق الأهواء. وأن رغبتهم في انتشار الخير وثبوت الحق أسبق في أفئدتهم من رغبة التشفى وسورة الانتقام لأشخاصهم. وعلى ضوء هذه الكلمة الرقيقة الندية للإمام أحمد: (ماذا ينفعك أن يعذب أخوك المسلم بسببك) تعرف أقدار قوم لا يرون بناء حياتهم إلا على أنقاض الآخرين، ومن هم أولئك الآخرون؟ إنهم ليسوا خصوما يطلبون عفوا، إنهم البناءون الأولون والمعلمون المجحودون. لقد عرفت أن عاطفة السماحة التى أودعها الله قلب ابن حنبل سرا من أسرار الاصطفاء الإلهى للإمامة في الدين والإمامة في الدنيا.. والذين يتعشقون خلال الرجولة أين كانت: يرون أن الإمام أحمد كان يسير على سننها العتيد، الذى أوضح الشاعر معالمها بقوله: وإن الذى بينى وبين بنى أبى وبين بنى عمى لمختلف جدا فإن أكلوا لحمى وفرت لحومهم وإن هدموا مجدى بنيت لهم مجدا ص _ ص 5