الصفحة 120 من 206

إن المرء قد يهتاج لمظلمة تنزل به، وقد يسره أن تقتص الأقدار من البغاة والجبابرة ولكن هذا أمر غير ما نحن بصدده.. إنما نعالج هنا نفوسا تندد بالشر لوقوعه من فلان ، وتخرس عنه لوقوعه من فلان. وهى تحارب الخطأ بقسوة من الأول، وتتغاضى عنه من الآخر، أى أنها تحارب بعض الناس- باسم الخير- شفاء لضغنها، وتبسط اللسان فيه لا شتما شخصيا- كما هو الواقع- بل نقدا دينيا، وهذه هى الطامة..!! إننا نثبت هذه الصور بين يدى بحث مفصل في الغيبة، ليعرف المسلم الحدود التى تحرم فيها قطعا، والحدود التى تنفصل بها عن دائرة المحرم شرعا.. وسترى أن القصد المصاحب للعمل هو الفيصل المميز بين هذه وتلك. عن أبى هريرة قيل: يا رسول الله ما الغيبة؟ قال:"ذكرك أخاك بما يكره"قيل: أفرأيت إن كان في أخى ما أقول؟ قال"إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته". إن ذكرك أخاك بما يكره جريمة، ضرب لها القرآن هذا المثل الشنيع: (أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه...) . وذكر النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ هؤلاء المغتابين بما يكشف عن خبيئة الإثم في أفئدتهم فقال:"لما عرج بى مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم وصدورهم فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم". والحق أن تناول الناس بالسوء قد ينال من أقدارهم، بل ربما يدمر حاضرهم ومستقبلهم. فكلمة القدح قد تميت، كما أن كلمة المدح قد تحيى..!! هب أن رجلا كبير القلب حى الضمير ألم بخطيئة ما... إنك تزلزل قدمه في طريق الخير حين تندد به. وتعطيه فرصة لتجديد حياته واستعادة ثباته إذا سترت عليه. لذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ:"من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موءودة". إن الفضيلة الجريحة في نفس مؤمن أزله الشيطان، تجد في هذا الستر دواء تحيا عليه وتقوى وتنمو. ص _ ص 9

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت