فهرس الكتاب
أما إذا اطلع سوأتها رجل سليط أو خصم حسود فهو يحب أن ينكأ الجراح ولو اندملت حتى يوردها القبور. وأدب الإسلام ـ في هذه الحالات ـ أن ليس كل حق يقال.. فلا تذكر أخاك بخطيئة اقترفها، لا لأن الإسلام يريد بقاء الخطايا في المجتمع، فإن هذا ما يستحيل أن يريده دين. بل لأن هذا أسلوب ناجح في محاربة الإثم، وتخليص النفوس من أوضاره.. فكم من ستر أعان على متاب، ومكن من عصمة. والناس ليسوا سواء في الإفادة من هذا العلاج ، إن المدح قد يشجع رجلا على الكمال والإجادة، وقد يقصم آخر بالغرور والتراجع!! والإحسان يستعبد نفوسنا ويملكها، وقد يفسد نفوسا أخرى ويضر بها، حتى تفتك بمن أحسن إليها.. والكلمة التى لا يبالى بها عبد قد يرعد لها أنف الحر. ومن الناس من ترهبه فيشمس ويتمرد.. فإذا خفضت له جناحك وألنت له القول ملكت لسانه وقلبه.. وكثير من الناس إذا طويت معايبهم ونشرت محامدهم أخذت أحسن ما فيهم وسرت بهم إلى الخير.. وذلك ما ينشده الإسلام حين يحرم الغيبة. وحين يشغل الناس بأنفسهم يصلحونها، وبجماعتهم يعلون مكانتها، وينفون عنها الريبة والفاحشة . فإذا لم يكن بد ـ في سبيل الإيمان والإحسان ـ من ذكر رجل أو قوم بما يكرهون، فليُذكروا ولو طفحت نفوسهم بالأذى، مادام تناولهم بما فيهم ذريعة إلى غاية شريفة، وما دام هذا التناول محكوما بالحق الذى لا تزيد فيه ولا نقصان. روى أبو داود تحت عنوان"من ليست له غيبة". جاء أعرابى فأناخ راحلته، ثم عقلها، ثم دخل المسجد، فصلى خلف رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ فلما سلم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أتى الأعرابى راحلته فأطلقها، ثم ركب، ثم نادى: اللهم ارحمنى ومحمدا، ولا تشرك في رحمتنا أحدا...!! ص _130