فهرس الكتاب
فقال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ:"أتقولون: هو أضل أم بعيره؟ ألم تسمعوا إلى ما قال؟"قالوا: بلى..! وترجمة أبى داود لهذه القصة بالعنوان الآنف جعلت كثيرا من العلماء يقسم الغيبة إلى قسمين: قسم محرم، وهو ما يقوم على نهش الأعراض، وفضح الأخطاء لشهوة رديئة. وقسم مباح أو واجب، وهو ذكر الأغلاط لتنقية المجتمع منها.. فالمجرم الفار من القضاء إذا حوكم غيابيا فشرحت جنايته وكشفت سوأته، وتكلم فيه بما وقع منه. فهذا في نظرهم من الغيبة الجائزة . وقد عنى أولئك العلماء عناية بالغة بهذا الموضوع، وأُلفت فيه رسائل شتى. ومنها ما كتبه الشوكانى: (رفع الريبة عما يجوز، وما لا يجوز من الغيبة) . ونظم بعضهم ـ على عادة القدماء ـ مواطن الجواز فقال: القدح ليس بغيبة في ستة متظلم، ومعرف، ومحذر ولمظهر فسقا، ومستفت، ومن طلب الإعانة في إزالة منكر ورأيى أن الغيبة المحرمة شىء، والأمور التى أحصاها الأئمة شىء آخر ليس من قبيلها، ولا ينبغى أن يجمعها به عنوان واحد، وإن تشابهت الصورة العامة. ألا ترى أن قتل الغيلة.. وقتل القصاص.. وقتل الجهاد، يلتقى كله في أنه إزهاق للروح؟ ومع ذلك فشتان بين قتل وقتل؟ كذلك الوضع هنا. إن حرب المظالم، وتغيير المناكر، وتحديد الفواصل بين الحق والباطل، تقتضى أسلوبا ربما قسا على الأشرار قسوة لا تهتم بأشخاصهم قدر اهتمامها بعلاج ما يقع منهم. ولا تتشهى النيل منهم قدر اهتمامها بإثبات المصلحة ومحو المفسدة. وهذا المعنى نقيض ما هو ملحوظ في الغيبة من رغبة في الفضح والشماتة والتشفى، بل من رغبة في بقاء الجريمة يصلى المجتمع نارها، ويصلى صاحبها عارها في وقت واحد!!. قالوا: التظلم غيبة مباحة. وأقول: إن ذكر الظالمين بآثامهم التى بعثت على الشكوى منهم ليس استثناء شاذا ص _131