فهرس الكتاب
ولم تخف على علماء المسلمين هذه الحقيقة، فقام علم الجرح والتعديل في صميم الثقافة الإسلامية، يتعرض لأقدار الرجال الذين ينقلون السنن، فيصف هذا بالصلاح، وهذا بالفسق، وهذا باليقظة، وذاك بالغفلة!. إن تاريخ الأمم قاطبة تناول الحكام والقادة، تناول الناقد الممحص، فهاجم ودافع. وعظم وحقر. والقرآن الكريم ذكر الأمم المفرطة وما أسلفت من سيئات، وكيف هوت بها مصارعها إلى أسفل سافلين. والحكمة من هذه السياقات محض العبرة، تستخلص من وقائع لا تهمة فيها، وتقدم إلى الأخلاف، كيما يتعلموا وينتفعوا. والغرض المنشود إحقاق الحق، وإبطال الباطل، بغض النظر عن الأشخاص وشئونهم الذاتية. سئلت يوما عن"فلان"الزعيم الإسلامى الكبير ما رأيك فيه؟ فقلت: ليس بأديب ولا خطيب ولا شجاع ولا سياسى. وحظه من كتاب الله وسنة رسوله لا يرتفع به عن مستوى العامة. فقال لى أحد أتباعه: إنك تغتاب المسلمين!؟ فقلت: بل أعرف الناس بأقدارهم وأنزلهم حيث يستحقون. ولو قلت غير هذا لغششت أمة محمد بن عبد الله ـ صلى الله عليه وسلم. إن التزييف في النقود جريمة، لأنك تروج النحاس بوصفه ذهبا. وأوغل من ذلك في باب الإجرام أن تزور في قيم الناس، فتوهم تاجرا ما أن فلانا يصلح شريكا له، وفلان هذا خائن، أو توهم جماعة ما أن فلانا يصلح نائبا عنهم في أحد المجالس، وفلان هذا أعجز من أن ينوب عن نفس بله عن غيره. غاية ما يوصى الإسلام به تصحيح النية، فإن كلمة التجريح ولو كانت صدقا، إذا أملت بها شهوة الولوغ في أعراض البشر والزراية عليهم، فهى عند الله ساقطة داحضة. أما إذا قصد بها دفع مضرة وحفظ مصلحة فلا حرج على قائلها. ص _133