فهرس الكتاب
تذكر التعليم شفاء الجهالة، والتذكير دواء النسيان. وهناك حقائق كثيرة فدى إليها الإنسان ولم يكن من قبل يعرفها. وحقائق أخرى كانت نفسه مستعدة لها أو ملمة بأطراف منها ثم لأمر ما ـ غابت عنه وذهل عنها. فإذا أعيدت عليه، تعلق فكره بها، كما يتعلق فكرك بوجه رجل برز إليك فجأة وكنت قد رأيته من بضع سنين، فأنت تشق حجب الماضى الملتفة بذاكرتك حتى تستبين الملامح الأولى، وتربط بين ذكريات الأمس المدبر وصفحة اليوم الجديد... الحقائق الكبرى في دين الله من هذا القبيل. توحيد الله، الملجأ إليه في الشدائد، والإحساس بالعودة إليه، إن قريبا، وإن بعيدا، احترام الفضائل وأهلها، الاشمئزاز من الرذائل ومقترفيها، النشوة من انتصار الحق وإقرار العدالة... إلخ. إن هذا كله مغروس في الفطر السليمة، لا تدهش له إذا سمعت به، ولا تستغربه إذا اقتيدت إليه، بل تحس كأنها تسير في طريق لها به عهد، وبينها وبينه أواصر شداد. ومن هنا سمى الله القرآن الكريم ذكرا، لأنه لا يجىء بتعاليم جديدة على الفطرة الأصيلة تعد معرفتها علما بعد جهل مطبق، لا، إنها تذكير للعقل بما لا يليق أن يعزب عنه، تذكير للضمير بما ينتظر أن يحكم به، تذكير للمرء بماضيه الأول ونسبه العريق وصلته الموثقة بمن أحياه واستبقاه إلى أجل مسمى. وقد اطرد استعمال هذا اللفظ في القرآن الكريم في مناسبات شتى: (ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى * إلا تذكرة لمن يخشى) . (وكذلك أنزلناه قرآنا عربيا وصرفنا فيه من الوعيد لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا) . ص _149