فهرس الكتاب
واجمعوا كيدكم.. ثم اصنعوا ما شئتم وعجلوا بما تقدرون على فعله فلا ضرورة لتريث أو إمهال.. ويشبه نوحا في هذه المقالة هود عندما صاح بقومه: (...إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ….) . وهذا التوكل ضرب من القوة التى يزود الله بها المصلحين كم يزود الصحيح بالمناعة بين المرضى، فيعتلون وينجو، ويقعدون ويسير. ثم يقول ما قال الشاعر: ويوجد بيننا أمد قصى فأمُوا سمتهم وأممت سمتى والتوكل هنا أمارة من أمارات القدرة على الحياة والأمل في المستقبل، إن ضعفت الطاقة واكفهر الجو، فهو قرين الصلابة والبأس، وسر الرباط والكفاح. لكن هذه الأمة لما جف عودها تحولت الخضرة اليانعة الطافحة بدلائل الحياة إلى هشيم تذروه الرياح بل توقد به الأفران. وإذا كان التوحيد قد انقلب إلى شرك فلا غرابة إذا انقلب التوكل إلى انكسار وخور وانهيار وهزيمة. إن التوكل على الله يبعث الجرأة على الناس. فلن يكون أبدا سبب ضيعة في الدنيا أو هوان بين أهلها. وقد سمعت نوحا وهودا كيف يحفزهما التوكل إلى أن يقولا لقومهم: هاتوا ما عندكم فلن نحفل به. * * * * إلا أن ثمة عنصرا آخر يقارن هذا التحدى أو يعين عليه، هو تجرد الداعية واستغناؤه المطلق عن البشر قاطبة. فمن التناقض المثير أن تحرص على تملق الدهماء في الوقت الذى تكلف فيه بردهم عن غوايتهم وشفائهم من جهالتهم. ص _161