الصفحة 153 من 206

إن المعلم يترضاه تلامذته وليس هو الذى يترضى تلامذته . وخير ما يقال في داعية: إنه استغنى عن دنيا الناس فلم يخافوه عليها، وبذل ما لديه من خير، فهرعت إليه الوفود ترجوه. وهذا المعنى أكده نوح لقومه: (فإن توليتم فما سألتكم من أجر إن أجري إلا على الله وأمرت أن أكون من المسلمين ) . صدق من قال: أذل الحرص أعناق الرجال. إنه ليس أعصى على فنون الإغراء من الرجل الزاهد ينظر إلى الناس وهو بنجوة من مشاعر الرغبة التى تدنيه حيث يجب أن يبعد، أو مشاعر الرهبة التى تبعده حيث يجب أن يدنو. كلا. إن غناه في قلبه حصنه من هذه الثغرات التى تستذل الملوك. فهو ملىء النفس، رفيع الرأس بما يدخره عند الله وحده.. وتنزيه الدعوات عن المتاجرة بها هو معنى الزهد الذى لاذ به الأئمة، واحتفى به العلماء. فليس الزهد هو الجهل بالحياة وهجر أسباب العمل، وقصور الباع في مختلف الحرف، وترك زينة الدنيا عجزا عن بلوغها أو بلادة عن تذوق الجمال الذى أودعه الله فيها.. ورب نبى استمتع بالمال والبنين، وهو ـ مع ذلك ـ من الزاهدين...! ورب محروم عاش يتشهى ويتلمظ ، فما كان فقره رفعة لشأنه، ولا زيادة في حسناته. إن الزهد ألا تبيع مثلك العليا بملك الدنيا إن خيرت بين هذه وذاك. فإن الله عاب قوما بأنهم آثروا الأولى على الآخرة فقال: (ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة وأن الله لا يهدي القوم الكافرين * أولئك الذين طبع الله على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم وأولئك هم الغافلون) . ص _162

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت