الصفحة 158 من 206

طبيعة الإسلام أحق امرئ بوظيفة ما، من كمل استعداده لها وتمت طاقته عليها.. فمنصب القضاء يرشح له المبرزون في دراسة الشرائع والقوانين، وأعمال الهندسة الكبرى والصغرى يقام لها من أوتوا حظوظا موفورة من الدراية والخبرة، وكذلك سائر شئون الحياة الأخرى، لا يعد أحد من الناس أهلا لها حتى يستجمع الأسباب الميسرة لمباشرتها، وإلا نُحى غير مأسوف عليه. واستكمال القدرة على ولاية وظيفة ما، لا يقع بغتة. إن الإنسان في هذا المجال كالثمرة، لا تنضج إلا بعد مراحل متأنية، فإذا أينعت صلحت لما خلقت له، أما قبل ذلك فإن فجاجتها تغرى باطراحها لا محالة. وإذا كان الفرد لا يحمد في منصبه إلا إذا نهض بأعبائه، فكذلك الجماعات والأمم. إن إصلاح الأرض وترشيد الحياة ليسا أعمالا هينة، ليسا ادعاء يملكه أى قبيل من الناس. إن الأقدار التى تتبرم بموظف مهمل في عمله، تتبرم أشد وأوسع، من أمة مهملة في واجبها. وكما تطرد الدولة الموظف الكسول المتلاف، تؤخر العناية العليا كل أمة أعجزها القصور وشلها الفساد. نعم تؤخرها وتقدم من هو أكفأ منها على إصلاح البلاد ونفع العباد:. وعندما تنظر إلى الأمة الإسلامية الأولى تعرف أن الرسالة التى اضطلعت بها في الحياة هى التى منحتها حق السبق ووضعت في أيديها الزمام. ولقد شرحنا في موضع آخر كيف أنه كان من مصلحة البشر قاطبة أن تتحول السلطة عن الدول الكبرى يومئذ لتستقر في هذه الأمة الجديدة ولتبقى في ربوعها حينا من الدهر. إن السيادة التى واتت المسلمين الأولين لم تجئ عفو الخاطر أو محض الصدفة، ولم تجن ربح قمار أو جائزة (يانصيب) .. كلا. ص _167

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت