فهرس الكتاب
إن الدولة التى أقامها المسلمون الأوائل بنتها نفوس بلغت شأوا بعيدا من مجادة الخلق وسعة الكفاية وعمق اليقين وروعة التجرد وصدق الأخلاق . ومن وراء هذه النفوس الكبيرة تلمح صاحب الرسالة العظمى يتعهد القلوب بالصقل، ويأخذ النفوس بالأدب الشامل، وينسق الصفوف بالوعى لا بالغباء، وبالحق لا بالهوى. وقد تستطيع عصابة من الناس أن تخطف (حكما) بالاغتيال والنسف أو بالاحتيال والعسف، بيد أن نسبة هذا (الحكم) لله حمق كبير. إن الانتساب لله يقتضى شمائل أنبل وفضائل أجل مما تواضع الناس على إكباره من شمائلهم وفضائلهم. وفى أقطار العالم اليوم حكومات يشرف عليها رجال أولو عزم وبأس، وهى حكومات ناجحة في حدود برامجها وأهدافها، ولن نبخس أصحابها حقهم من تقدير. ولكن البون بعيد بين حكم ينجح في إسعاد شعب ما، وبين نبوة انخلعت من حظوظها الخاصة ومشت في الأرض تغرس أعواد الوحى، وترقى بالعالم إلى آفاق أزهى وأنضر، تريد أن يعرف الناس ربهم الذى جهلوه، وأن تمسكهم بكتابه الذى جحدوه. وأين ـ فيما نرى ـ ورّاث هذه النبوة ورعاة هذا الميراث، بل سل قبل ذلك: أين أساليب الأنبياء في العمل والبلاغ والإعذار؟. لقد ضجت نفسى من أناس تنقصهم القدرة على إقامة حكم لأنفسهم ثم يزعمون أنهم يريدون إقامة حكم لله؟، بم؟ كيف؟ بأدوات معطوبة ووسائل مقلوبة وغرور بعيد..؟. إن الأمة المسلمة، إذا لم تدْعُ للإسلام بسيرتها، صارت وبالا عليه. فإن عبثها بالنصوص التى بين أيديها واضطراب أمورها نتيجة هذا العبث، سيكون فتنة تصد الآخرين عن اعتناق هذا الدين. وقد فسر العلماء قوله تعالى (ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا …) بما يشبه ص _168