فهرس الكتاب
هذا، قال مجاهد: لا تعذبنا بأيديهم ولا بعذاب من عندك فيقولوا: لو كان هؤلاء على حق ما أصابهم هذا.. إن الرجال الذين يحملون الحق يجب أن يشرفوه بعملهم. لا أن يشوبوه بهواهم، فإن إهانتهم له تبعد الكثير عن قبوله، وقد يدخلهم ذلك في نطاق من عنتهم الآية: (ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون) . إن المواثيق التى أخذها الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بيعة العقبة الأولى على الأنصار الداخلين في دينه تستدعى التأمل، كان الإسلام محصورا مُعَنّى في شعاب مكة يتربص أعداؤه به الدوائر وتهدد مستقبله الخطوب، ومع ذلك فإن اهتمام النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالأنصار الجدد لم يتعد الطريق المرسوم لتكوين الرجولة المؤمنة، فبايعهم أولا على ترك المناكر الشائعة من شرك وسرقة وزنا وبهتان، ثم استوثق من أنهم توابون يعودون إلى الله عجلين، إذا باعدهم الشيطان عنه.. فلما رست مكارم الأخلاق في جذورهم، واستقامت مع أصول التقوى طريقهم جاءت البيعة الأخرى على الكفاح والتضحية. والقرآن النازل بمكة سار على هذا السنن، ربِّى الرعيل الأول على الإيمان والعفاف والأدب والوفاء، وصنع منهم نماذج ريِّقة للدعوة التى ينادون بها، فلما اصطدموا بقوى البغى نزلت ملائكة السماء لتؤيد إخوانها على الأرض. إن العالم شهد قديما ألوفا من الجنود المرتزقة يسيرون في ركاب الجيوش الغازية ابتغاء السلب والنهب.. وهؤلاء المغامرون من طلاب المنافع ـ ولو بأرواحهم ـ ليسوا أصحاب دعوات ولا حملة رسالات. وما كان محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ يجمع أمثالهم حوله، بل ما كانوا هم ليطيقوا السير معه وهو يكلفهم بالصلاة والزكاة والذكر والعبادة. فطبيعة الارتزاق لا تقبل دروس التربية. ماذا يصنعون في قول النبى ـ صلى الله عليه وسلم ـ لهم"ألا أنبئكم بخير أعمالكم وأزكاها عند ص _169"