فهرس الكتاب
أن سلبت ساكنيها الحياة والمال!! فماذا دهى الحنيفية السمحة حتى تبدلت سنتها في هذه النفوس فارتد نورها ظلاما وترياقها سما، وسلامها حربا، ونظامها فوضى؟ هل يرى هؤلاء الضالون ما زعمه (الباطنية) من أن للقرآن ظاهرا هو ما يعلمه الناس، وباطنا هو ما يعلمونه هم؟ فالحلال هو الحرام، والحرام هو الحلال، والمعروف معناه المنكر، والمنكر معناه المعروف وكذلك يقولون في الصلاح والفساد والخير والشر ؟ حقيقة الأمر وواقعه أنهم لا يعلمون من القرآن ظاهرا ولا باطنا، ولا يفقهون من الدين أصلا ولا غاية، إنما هم كقتلة عثمان: طغام مثل النعام، يتبعون أول ناعق، والناعق قد يكون طماعا يريد المال، أو طماحا يريد الملك وعلة ما أصاب الإسلام من الانتكاس في هذه الحقبة الأخيرة، أن المثقفين من ذوى البصائر والضمائر قد شككتهم مادية العلم في روحية الدين، فوقفوا من الإسلام موقف المحايد، لا يؤمنون ولا ينكرون، وأخطأوا القياس، فظنوا كما ظن بعض دول الغرب: أن الدين عائق عن التقدم فقطعوه عن دنياهم وتركوه للعامة وأشباههم من جهال العلماء يفترون على الله ما لم يوح، وينسبون إلى رسوله ما لم يقل، ويؤولون آى الكتاب على الوجه الذى يدنيهم من الثمرة الحرام ويؤديهم إلى المنفعة ويحشون رءوسهم ورءوس الأغرار والسذج برواسب من مخرقة اليهود وصوفية الهنود، لا تدفع إلى الأمام ولا ترفع إلى فوق، لذلك اختلف مفهوم الإسلام في أذهان أهله اليوم عما كان في أذهان عمر وخالد، والرشيد والمأمون، والناصر والحكم، والعزيز، والحاكم، في صدر الدعوة الإسلامية، وفى قلب الحضارة العربية، مفهومه اليوم في أذهان الخادعين الطامعين من طلاب الغنم أو الحكم الإرهاب والاضطراب والغيلة والفرقة والتزمت والتعصب، وكان مفهومه في أذهان صحابة الرسول وخلفائه العدل والإحسان والوئام والسلام والنظام والتسامح والمحبة. فلنجدد أولا هذا المفهوم في أذهان الناس، ثم لندع بعد ذلك إلى أن يكون الحكم