الصفحة 171 من 206

مرءوس. ص _179

وربما كان الضغط الذى صادفه التشيع أول أمره سر انتشار هذه الكلمة، فقد استبد الأمويون والعباسيون بالحكم دهرا طويلا، وضيقوا الخناق على معارضيهم حتى جعلوهم يحيون في جو من الوجل والتوجس . والأحزاب المناوئة للحاكم عندما تفقد نعمة العلانية في التنفيس عن رغباتها، والإبانة عن مقاصدها وغاياتها، لا ترى بدا من جمع فلولها في الظلام ونشر تعاليمها في شكل رسائل أو منشورات مقتضبة حاسمة... وقد كان طلاب الخلافة من ذرية على يعيشون في هذا الخفاء المسحور، وينالون من الحب بقدر ما يناله الحاكم من سخط. وربما كان بعضهم أعف نفسا وأصدق قيلا من أمراء أمية والعباس فهو يرى في مناوشته الحاكم وإسقاطه خدمة للإسلام قبل أن يكون خدمة لنفسه... والوسيلة الوحيدة هى المقاومة السرية، حيث يتلقى الأتباع الأوامر الصادرة من فوق على أنها نصوص واجبة الطاعة، لا مجال ألبته لمناقشتها أو التملص منها، لا... إن شيئا من هذا لا يجول بخاطر واحد من الأتباع! فإن تنفيذ هذه الأوامر دين تقبل عليه النفس بلذة وشغف، ولو كانت عقباه العطوب..! وفى هذه الدائرة المغلقة تتحول الثقة في القيادة إلى قول بعصمة الأئمة... ذلك أن مرور الزمن على هذا الكبت يُحور الصلة بين الأتباع المضطهدين وسادتهم المختفين حتى تنتهى إلى هذا المصير. وخطورة هذا الضرب من المعارضة المستخفية أنه البيئة الخصبة لنمو الأوهام والأساطير. وأظن أن الفرق الكثيرة التى نهشت جوهر الإسلام ـ من باطنية وقرامطة وغيرهم ـ لم تتولد إلا في هذه البيئة. إن الأوامر التى يصدرها أشخاص فقدوا قوة العمل في النور قلما تخضع لتمحيص المنطق وتحقيق الشورى.. حتى بعد أن تواتيهم السلطة ويقيموا حكما يرعى أمور الناس في وضح النهار.. وهكذا ينتقل مبدأ تقديس الزعامة من صفوف المعارضة إلى صفوف الحكم نفسه، والإسلام برىء من هذا كله. ص _180

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت