الصفحة 182 من 206

الحديدية يقول (الدنيا كلها متاعب) وهو قول يكاد يتحد في لفظه مع قول أبى العلاء المعرى: تعب كلها الحياة فما أعـ جب إلا من راغب في ازدياد فأبو العلاء لا يشكو من حمل ثقيل ناء به كتفه، ولكنه يقرر فلسفة التشاؤم ويستعرض أمورا لا عداد لها. قبل أن يرسل حكمه على هذه الدنيا. وكثير من المسلمين يشترك في النطق بكلمة التوحيد، فيهم المستغرق، وفيهم الذاهل، وفيهم المتفانى، وفيهم العاصى... وفيهم من يقولونها عندما يشهقون فيعطسون فيتشهدون. فإذا أردت توزيع الأحكام على هذه الحالات فإياك أن تخلط. لا تعط مرتبة الامتياز لكل ناجح، فإنها للأوائل فقط. ولا تعط صفة التفكير الفلسفى لحمالى المحطات فإنها لأصحابها من طبقة أبى العلاء. وإذا سمعت أن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول: من قال"لا إله إلا الله دخل الجنة"فاعلم أن البشرى ليست لكل قائل. فما أكثر الذين يهبطون في فهمها إلى درجة حمالى المحطات في فهمهم لمتاعب الحياة، وما أكثر الذين ينجحون فيها بالنهاية الصغرى، بعد مختلف الشفاعات والاستثناءات. 3ـ حماسة: للعامة مفارقات في أقوالهم وأعمالهم تستحق أن نقف لديها قليلا لنعجب من كثرة المسارب النفسية، التى تهرب إليها الحقائق، وتتوارى فيها إلى حين.! جاءنى مرة رجل يسألنى عن حقيقة صلاة التسابيح، فقلت له: لا داعى لأن تعرفها لأنها لا تنفعك بشىء. فقال: كيف، أتنهانى عن الصلاة؟ قلت له: أنهاك عن الدجل فأنت شخص تخون في أداء واجبك، وتفرط في ضرورات دينك، فتفكيرك في استكمال نوافله كتفكير بائع الفسيخ في الرائح العطرية، قبل تنظيف جسمه وغسل ثوبه. وسمعت خطيبا يرغى ويزبد، ويبرق ويرعد، يقول: إن الناس تهاونوا بالدين وأصبحوا يلفون بضائعهم في أوراق الصحف والمجلات، وفى ذلك إهانة للإسلام. و. و... وانتهى الرجل من قوله، ثم بدا لى أن أفرج عن نفسى بمناقشته. ص _192

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت