فهرس الكتاب
هذا التأويل القديم جهد العلماء في تقريره هدما لمذهب الخوارج. ففهم الجمهور منه نصفه الذى يحلو له، وترك غلو الخوارج... إلى باطل المرجئة. وضاع لب الدين الصحيح وجوهر الحق الواضح في تيار هذا الجدل. إن جماهير المسلمين الآن يجب أن يفقهوا دينهم كما أنزله ربهم، وليتق الله أولئك العلماء الذين يسردون جدل الفرق الأولى سردا مجنونا. فربما وضعوا السلاح المرهف في أيدى من لا يحسنون استخدامه ضد أعدائهم بقدر ما يحسنون استخدامه في إيذاء أنفسهم وجر البلاء عليها. 5ـ حكمة: طب الأرواح كطب الأجسام.. علم وفن. يزور الطبيب رجلان مريضان يطلبان لديه الشفاء، من ضعف يحسان به، فيصف الطبيب الغذاء الجيد لأحدهما لأنه مريض بالسل، ولا يصف هذا الغذاء للمريض الآخر إذ أنه مصاب بالسكر. ومعنى هذا، أن سبب الضعف هو الذى يملى نوع الدواء. ومثل هذا يقال في علاج الأرواح واختيار الأدوية الناجعة لمرضى القلوب. فقد يصف الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ دواء لشخص ما، فيكون من الخطأ أن نصف الدواء نفسه لشخص آخر. لأن الرسول الحكيم وضع لهذه الحالة الأخرى دواء آخر يخصها. المربى الجاهل قد يسىء إلى الدين وإلى الناس، بعدم بصره بأسباب الداء وأصول الدواء، فيصف للإنسان المصاب بفقر الدم رياضة تقتله، ويصف للإنسان المصاب بضغط الدم علاجا يزيده سوءا على سوء. إذا قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ"لا تغضب"فاعلم أنها لم تقل لشخص بليد العاطفة، فلا تقلها له، وإذا قال"اتقوا الله وأجملوا في الطلب"فاعلم أنها لم تقل لقعدة البيوت فلا تقلها لهم، وإذا قال"إن هذا الدين متين فأوغل فيه برفق"فاحذر أن تقولها لرجل كسول في العبادات... إلخ. إن قراءة النصوص ـ وخاصة السنن ـ دون معرفة الملابسات التى أملت بها ليست بابا إلى العلم الصحيح، ولا وسيلة إلى التربية الجيدة.. ص _194