فهرس الكتاب
لقد اعترى بناءهم الحيوى من الضعف العقلى والأدبى ما يعترى الأجسام، من فقر الدم، وضعف الأعصاب، ويوم يلمح الإنسان بوادر الشفاء من هذه الأدواء، يوم يلمح في الأفق طلائع النهضة الصادقة، ويوم يتحدث عن مستقبل الشرق الباسم. أما بناء نصرنا على هزيمة غيرنا، وانتظار النجدة من الغيب المبهم، فذلك مسلك هو الحمق بعينه. نعم قد تكون هناك عوامل مساعدة ينتفع بها في تدعيم نهضتنا، ولكن العوامل المساعدة ثانوية إضافية، أما عوامل النصر الأولى فهى ما نقوم به نحن من تلقاء أنفسنا وبقوة سواعدنا، لا ما نحلم به من آمال. 7ـ المتردية و النطيحة: هذه قصة شهدت وقائعها ولم أعجب لها، لطول ما رأيت من أمثالها، وأحسست من آثارها. كان لرجل ثرى ولد مريض البصر، عاث الرمد في عينيه برغم جهود الأطباء المتوالية، حتى كاد يأتى عليهما لولا بقية من ضياء يعرف بها الولد ألوان الحياة. وجلس الأب يوما فقال لأصحابه. أنا وهبت ابنى لله، وسوف أدخله الأزهر بعد أن يحفظ القرآن ! وما هى إلا أيام حتى كان الولد يرتل الآيات ويستظهر الصفحات على يد فقيه أعمى معروف بالمهارة!! ولكن القدر العجيب لم يشأ أن يترك المسألة تمر على هذا النحو، فإن الولد الذى حار الطب في عينه، بدأ يصح، وكلما مرت الأيام ازداد بصره حدة، وازدادت أجفانه نضارة وإشراقا؟. وحار الوالد وجاشت في نفسه شتى الخواطر، لقد وهب ابنه للأزهر على أساس أنه أعمى أو شبه أعمى، وذلك وحده ما يجعله يقفه على التعليم الدينى، من باب قول الله (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ) . أما الآن فماذا يصنع؟. ص _196