فهرس الكتاب
16ـ عدو ولكن له فضل: أستطيع أن أقول إننى استفدت من أعدائى بقدر ما استفدت من أصدقائى. فلئن كان بر هؤلاء بى قد دفعنى إلى الإجادة، وتطلب الكمال، لقد كان كره أولئك لى يدفعنى إلى الحذر وتوقى النقص!. والمرء تتيسر له سبل الاستقامة بين عوامل الرغبة والرهبة، فقلما يحيد أو يتراجع. والهيئات والأحزاب بإزاء هذه الحقيقة كالأفراد، وليس يغير من أثر هذه الحقيقة أن الناس يكرهون أعداءهم، ويودون أن يختفوا من أمام وجوههم. فكم من هيئة تريثت في حكمها، خشية امتداد الألسنة إليها، وكم من حكومات لزمت الصواب خشية ثورة المعارضة عليها. ومن ثم يجب أن نرقب أعداءنا لنستفيد منهم كما أننا نرقبهم لنتقى غوائل حقدهم، وكوامن خصوماتهم. سمعت مرة أحد أصدقائى يتكلم ـ بحرارة ـ عما صنعته دول الغرب بأمر الشرق فقلت له: يا صديقى لست أظنك جاوزت حد الصواب فيما ذكرت. إن هؤلاء الناس أهانونا حقا، ولكنا كنا نياما، فاستيقظنا على ركل أقدامهم، وصفع أكفهم. ومن الخير لنا أن نستفيد من بواكير هذه اليقظة، وأن نزيل بقايا النعاس من أجفاننا، ثم نأخذ بعدئذ بتلابيب هؤلاء القوم لنعاتبهم أو لنحاسبهم على أسلوبهم البارد في إيقاظ النائمين! أما طريقتى أنا في فهم الأمور، فهى تلقى تسعة أعشار اللوم على النائم الغافل، ولا تعنى بتوجيه العشر الباقى إلى الموقظ الشرس. ذلك لأنى أقدر الفائدة التى تصيبنى من أعدائى، وأنتفع بها في تقويم عقلى، وتدعيم شأنى. ومن الخير لنا ـ نحن أبناء العالم الإسلامى ـ أن نراجع أنفسنا قبل أن نراجع غيرنا. وأن نداوى أخطاءنا على عجل قبل أن نفكر في الانتقام ممن نفذوا إلينا منها. ص _207