فهرس الكتاب
إن خيانة الشعب أمر خطير، وجرم دنىء، لا ينبغى أن تأخذنا فيه هوادة، بل ينبغى أن تحدد عناصر الجريمة فيه بدقة بالغة، فإذا ثبت على أحد من الموظفين أنه يستغل وظيفته لإشباع شهوته، وإرضاء غروره، جعلناه هدفا لنكال أليم. وبذلك تصان المصالح العامة، وتقضى حاجات الناس في هدوء وكرامة. أعتقد أن في مصر عددا من الأطباء يكفى لمداواة المرضى جميعا. وعددا من المدرسين يكفى لتعليم الأميين جميعا. ولكن وجود هؤلاء وأولئك لم يستأصل المرض، ولا الجهل ولا التراخى في إتمام الأعمال. وعلة ذلك واضحة. فمتى يؤدى كل واجبه على ما يرضى الله؟. ثرثرة بالإصلاح: بعض الناس يجدون مهارة ملحوظة في وصف الآفات الخلقية والاجتماعية التى تشيع بيننا. ولكنك لا تكاد تهتز لشىء مما يقولون. فهم يقفون عند حد النعى على الناس، ووصف ما يقع من تصرفات سيئة. وربما جاوزوا ذلك إلى بعض تمنيات سطحية عن إصلاح الفاسد، وإقامة المعوج، ثم لا يساهمون ـ بعد ذلك ـ بجهد ما في نهضة إصلاحية، ولا يهتمون بعمل ما، في سبيل تغيير ما ينكرون. وهؤلاء ـ في نظرى ـ مجردون من معانى الدين الصادق، والوطنية الصحيحة. ولو أن سائحا أوروبيا جاس خلال هذه الديار، وتعرف أحوال أهلها عن كثب، وشاهد حياتنا العامة من جميع نواحيها، لاستطاع ـ ما دام له عين تبصر، وفؤاد يعقل ـ أن يعرف كثيرا من أخطائنا المنبثة في كل مكان، والتى صارت سمة لا تزول في حياة هذا المجتمع المريض. بضعة شهور فحسب تجعل الأوروبى الطارئ الغريب يعرف الكثير عنا إن لم يعرف كل شىء. فكيف بالمصرى الذى يحيا على هذه الأرض من مهده إلى لحده!! لا جرم كان لطباع قومه أبصر، وبوجوه الخلل فيها أعلم. فالوقوف عند سرد العيوب الشائعة، والإفاضة في شرح أعراضها وآثارها لا يدل على شىء من الكفاية، ولا ينبئ عن ذرة من الإخلاص وهو ضرب من الشقشقة ص _209