فهرس الكتاب
يتقنه بعض الناس، وخصوصا المرضى بداء القنوط. لا تكاد تستمع إلى أحدهم حتى يلقى عليك خطبة طويلة عما أصاب الأخلاق من انتكاس، وعما أصاب المجتمع من تدهور، وعما أصاب السياسة من ضلال. ثم هو بعد لا يتحول من مكانته تلك. أقصى ما لديه هذه المعرفة المجردة، وكأنه يدل بها على من حوله، فهو ينظر إليهم كأنه فوق قمة وليس هذا دليل فضل أبدا. وإنما يتفاوت الناس بعد معرفة الداء في البحث عن العلاج. وفى السعى إلى إيصاله لكل عضو مريض من جسم الأمة، وفى السهر على ذلك حتى تتم السلامة، وتعود العافية المفقودة، وتستأنف الأمة طريقها إلى الغاية العليا التى تنشدها وهى أشد تماسكا وأقوى على مواجهة صعاب الحياة. كيف نعيش وكيف نموت: هناك شبه قريب بين حاضر المسلمين المبعثرين في قارات الأرض، القابعين في أماكنهم من (الدنيا القديمة) وبين ماضى المسلمين القلائل الضعفاء يوم استجابوا لدعوة النبى العربى، فما كادوا يؤمنون برسالته حتى وقعوا في مهاب عواصف حمقاء من الحيف والخسف، روعت يومهم وغدهم، وأباحت مالهم ودمهم، وجعلت آفاق الصحراء الفسيحة أضيق في أعينهم من سم الخياط!. كان أعز المسلمين يلتمس (الحليف) القوى أو الجار العزيز، ليدرك في ظله بعض الأمان على نفسه وأهله. وكان زمام الحياة الاقتصادية والسياسية في الوطن الخاص ـ بل في الدنيا كلها ـ بعيدا عن أيدى هذا النفر من المسلمين، وأنى لهم به؟ بل أين هم منه؟ وهم قليل مستضعفون في الأرض، يخافون أن يتخطفهم الناس!. كانوا يعيشون على هامش الحياة كما نعيش نحن الآن، أو لعلنا نحن الذين نعيش على هامش الدنيا كما كانوا يعيشون!. وأيا ما كان الأمر، فإن هذه الحياة التى فقدوها فسعوا إليها ـ إذ كرهوا العيش على هامشها ـ وفقدناها نحن ولم نزل نضطرب في حدودها المهينة، إذ لم نسع بعد إلى التخلص منها... هذه الحياة المفقودة المنشودة ـ هى الحياة في ظل دولة مستكملة الحرية والسلطان، تأخذ لربها ولنفسها ما