فهرس الكتاب
قلت لنفسى: ما أحوج إلى المسلمين إلى من يعرفهم دينهم! ثم فكرت مليا، فإذا بى أقول: بل ما أحوج المسلمين إلى من يعرفهم دنياهم!! قد يكون للوعظ بالدين موضع بين قوم انشغلوا بإتقان حياتهم، وانكبوا على عاجل دنياهم، فهم بحاجة إلى من يذكرهم بالله والدار الآخرة. أما المسلمون فهم أحوج إلى من يعلمهم كيف يعيشون.. وإلا فهل أحصيت ضحايا جرائم القتل التى حدثت من نحو ستين سنة، أى من بداية الاحتلال الإنجليزى إلى الآن . إنها تبلغ عشرات الألوف. فهل أحصيت عدد القتلى في موقعة التل الكبير، وفى ما بعدها من محاولات لاسترداد سيادتنا القومية؟ وهل رأيت بهذه المقارنة المادية كيف أن ضحايا النقص الخلقى والسقوط الاجتماعى أضعاف من ضحايا الاستقلال المنشود؟؟. وإن هذه الدماء التى سفكت للشيطان لو سفك مثلها في سبيل الله لنلنا عزتنا وكرامتنا من زمن بعيد.. ولكننا لم نزل بحاجة إلى تعليم واسع، وتربية عميقة، وتوجيه سديد يفهمنا كيف نعيش؟ وكيف نموت؟ ولمن نعيش؟ ولمن نموت؟. غلط يجب أن يحارب: يوجد خطأ جسيم في تفكيرنا الإسلامى، وقع فيه القدامى ووقع فيه المحدثون وكان له أثر وخيم على وحدتنا الأولى ويوشك أن يكون له نفس الأثر على نهضتنا الحديثة.. هذا الخطأ يرجع إلى قلة التفكير أو انعدامه في حقائق الكون، وخصائص مادته وأحوال المخلوقات المختلفة، مما جعل قسما كبيرا من ميراثنا الثقافى الإسلامى بحوثا لاهوتية نظرية خاض فيها المتصوفة والمعتزلة وساهم فيها علماء الكلام من سلف وخلف، على حين قلت العلوم الطبيعية والمعارف الكونية العلمانية.. مع أن منهج القرآن الكريم يقوم على عكس هذا الاتجاه تماما، فهو يصرف العقول عن البحث في الخالق إلى البحث في الخلق، ويرفض الكلام عن الروح ويرد السؤال عن حقيقتها، ويلح في لفت أنظار الناس إلى ما في العالم من آيات وآثار وروائع ص _2 ص