الصفحة 78 من 206

وذلك معنى قوله تعالى: (قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون) . فإذا رأيت شيئا من صفو العيش وبشاشة الرضا يخالط نفس المؤمن فذلك حقه الذى كان ينبغى ألا يزاحمه عليه أحد، لولا أن الحياة- أساسا- دار ابتلاء إلى جانب ما يتسرب إليها أحيانا من مظاهر الحساب والجزاء. هى دار ابتلاء بالواجبات، ثقيلها وخفيفها، والأقدار خيرها وشرها. وهذا الامتحان الشامل تتمشى معه المكافآت المعجلة التى وعد الله بها، كما ترى التلميذ في مراحل تعليمه الطويل يثاب بالنجاح المطرد، وإن كان لا يعفى من عناء الدرس وطول الاستذكار، وإدمان المطالعة والتمحيص والسهر. وقد تكون للتلميذ نهاية يقف عندها، أما المرء في هذه الدنيا فهو إلى أن يحشرج، موضوع في بوتقة الاختبار. والناس يخلطون حين يسوون بين مغارم الاختبار الذى لابد منه وبين نتائج الفوز أو الإخفاق فيه. إن الجيش الذى يكسب المعركة يفقد بعض القتلى، فهل ما فقده في صراعه يخدش من قيمة النتائج التى بلغها!! إن الله وعد الصالحين حياة طيبة، ولكن لم يعدهم أن يحصلوا على هذا الصلاح المنشود دون جهد يبذلونه..!! وثم أمر يجب أن نعرفه. إن الآلام ليست سواء. هناك آلام وضيعة وأخرى رفيعة. فالذين يحكم عليهم بالسجن عشرين سنة في الأشغال الشاقة يتعرضون لشقاء لا ريب فيه جزاء جرائمهم. بيد أن هناك من الرجال الأحرار من يقضون أعمارهم في كد موصول وأعباء جسام، برا بربهم وجهادا لدينهم، وإعزازا لإخوانهم. وشتان بين ألم وألم، شتان بين شهيد تذهب نفسه في سبيل الله وقتيل تزهق روحه قصاصا وعدلا، تصلح به الحياة، وتطهر به الأرض. ص _087

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت