الصفحة 90 من 206

وأبو بكر الصديق لم يكن رجلا مغمورا فأظهرته واقعة من الوقائع ، إنما كان رجلا معروفا بمسحة معينة من الجمال، أو لون بارز من العظمة. فلما جاءت أحداث الردة تألقت في جبين الرجل الكبير أشعة شتى من فضائل الثبات والإقدام والجرأة، تساوقت مع ما عرف عنه قبلا من فضائل الأناة والحلم والوقار، فزادته فضلا على فضل... وفى هذه الكلمة نحاول ـ متواضعين ـ تصوير شىء من عمل الإيمان الكبير تجاه الحوادث الكبيرة.. * * * * لم يكد الرسول ـ - صلى الله عليه وسلم ـ الله عليه وسلم ـ يصعد إلى الرفيق الأعلى حتى انتقض حبل العرب فارتدوا عن الإسلام ، وظنوا أن رمال الجزيرة ستعود كرة أخرى مسرحا لمآسي الجاهلية الأولى ومخازيها.. وشعر السابقون الأولون بخطورة الأمر، ورأوا أنفسهم في دار الهجرة مهددين بعصابات الأعراب الثائرين وجيوش مانعى الزكاة، والشقة بعيدة بينهم وبين جيش أسامة الذى سار قدما إلى مشارف الشام تنفيذا لوصاة الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ، وليس للدين الكريم بعد حصنه المكين في المدينة إلا مكة والطائف؛ فقد ثبت هذان البلدان، رغم أن قريشا وثقيفا كانتا آخر من استمسك بعروة الإسلام. على أن شيئا من ذلك لا يغنى فتيلا عن أهل المدينة.. فقد تجمع المرتدون من قبائل عبس وذبيان وأسد وكنانة. وكلما آذنت الشمس بالمغيب اقتربت جموعهم من مداخل البلد المهدد بغية اقتحامه على أهله والقضاء على الإسلام بعد ذلك. * * * * فلما أحس الصديق منهم الغدر، جمع حوله بقايا المسلمين، ولم يكن الأمر بحاجة إلى استثارة أو تهييج، فقد ضمتهم جميعا جدران المسجد النبوى، واستمعوا إلى أبى بكر يشرح خطة الدفاع ويرسم لكل منهم واجبه الذى يقوم به أو يموت دونه، ووزع أفراد هذا الجيش الصغير على ثغرات المدينة ومظان هجوم العدو وجعل المسجد مستودعا يخرج منه المدد إلى الجبهة التى يشتد فيها ضغطه ويخشى تسربه منها!! ص _099

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت