الصفحة 91 من 206

وأقبل الليل ؛ وثبت المسلمون في أماكنهم يتربصون، وما هى إلا ساعات حتى نشب القتال !. لقد تحركت جيوش الأعراب، وها هى ذى سهام المسلمين تخترق عماية الليل، وأبو بكر فوق ناقته يصول ويجول، وصراخ التكبير تتجاوب به الوهاد الموحشة! وخرج المعسكرون من المسجد يشدون أزر المدافعين، وتتابعت أدوار الصراع طوال الليل بين الإيمان والكفران، فما طلعت الشمس حتى تنزل نصر الله على جنده، ونجت المدينة وفر المرتدون. * * * * كان لهذا الفوز معناه، فقد تعلم المرتدون أن المدينة غاية في المنعة بما فيها من جند كثيف، وما هم إلا النفر القلائل ربا إيمانهم فساوت فعالهم جيشا جرارا، وكان أبو بكر يعرف كيف يستغل القوى التى توشك أن تختفى في الأيام التى تترادف فيها المفاجآت العصيبة. وحقا اختلت الصفوف، وأقبلت الفق تريد أن تجعل بين كل مؤمن ومؤمن حجابا يفصل بينهما لتفترس كلا منهما على حدة! ولكن أبا بكر كان أسرع منها إلى العمل، فقد ارتفع بإيمانه كما يرتفع العلم في المعركة المضطربة المختلطة ليئوب إليه الأنصار، ويحتشد من حوله المخلصون، ويكون من هؤلاء وأولئك مأمن للمروعين، ومستقر للشاردين، وكسب أبو بكر المعركة في إنقاذ المدينة، وما هى إلا أيام حتى قفل جيش أسامة منصورا غانما، فاستراح أبطاله إلى حين. * * * * وبدأ الكفاح الحقيقى، فقد انفتح أحد عشر بابا للفتنة في آن واحد. والجرح بموت الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ لم يندمل بعد، وأطراف الجزيرة تموج بصفوف من الضلال تحاول الاندفاع إلى قلب الإسلام فتقضى عليه بعد أن تحللت منه!. وهنا يحشد أبو بكر كل من حوله، ويقذف بهم إلى المعركة الفاصلة؟ فيعقد أحد عشر لواء لأحد عشر قائدا، ويفتح إحدى عشرة جبهة مرة واحدة ويراقب القتال في هذه الميادين بضعة عشر شهرا، وتمر الأيام وهذه الجيوش في جهاد شاق، لا تنتهى من قتال إلا لتستأنف غيره حتى جاء أخيرا نصر الله والفتح، وهزم الله المرتدين شر هزيمة. ص _100

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت