الصفحة 92 من 206

يقولون: مهما يكن الطريق إلى الغاية المنشودة طويلا، فإن المهم هو الخطوة الأولى فيه، وهذا حق. بيد أن الخطوة الأولى لا تلدها إلا عزيمة كاملة وعاطفة ناضجة. إن الحوافز العظيمة وحدها هى التى تدفع إلى الخاطر وتجرئ على اقتحام الصعاب. والأمور لا تكون جسيمة أو هزيلة في نفسها قدر ما تكون كذلك في عين امرئ هياب أم مقدام. على حد قول المتنبى: وما الخوف إلا ما تخوفه الفتى وما الأمن إلا ما رآه الفتى أمنا وعندما توالت أنباء الردة على المدينة نهد لها الصديق الجلد، وكأنه غضوب استفزه سفهاء، فما يفكر إلا في قمع العدوان الذى أصابه. مع أن هول الأخبار الواردة جعل الجبارين يتريثون في مقابلتها، ويفكرون في حيلة للخلاص منها . أما أبو بكر فقد أجمع أمره وتوكل على ربه وقرر العمل. ثم رئى في عدة الكفاح، يقود الجيوش المعبأة للجهاد، وكان الظن به أن يبدو رجل سياسة ورياسة فحسب. وروى أنه عرضت شبهة لعمر دعته أن يطلب مسالمة العرب الناكلين عن أداء الزكاة، ظانا أن تألفهم بما في قلوبهم من إيمان معلول سينتهى بهم إلى دفع الزكاة التى منعوها. فعن أبى هريرة أن عمر بن الخطاب قال لأبى بكر: (علام تقاتل الناس، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها عصموا منى دماءهم وأموالهم إلا بحقها". فقال أبو بكر: والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لأقاتلنهم على منعه"إن الزكاة حق المال، والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة... قال عمر: فما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال فعرفت أنه الحق) . وكما اجتاحت صلابة أبى بكر تردد عمر، أخذت تغمر سائر الصحابة من مهاجرين وأنصار وأعراب. ص _101"

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت