فهرس الكتاب
غير أن فريقا من المسلمين ظلم هذه الآية أقبح ظلم، وفهمها أغبى فهم، وظن أن الله يقول لعباده: احرصوا على أعماركم فلا تعرضوها للاستشهاد في سبيلى واحرصوا على أموالكم فلا تضيعوها بالإنفاق في سبيلى! وهكذا لم يكف الناس أن يعصوا، حتى ذهبوا يتلمسون لمعاصيهم الفتوى المشروعة! عن أبى عمران قال: كنا بمدينة القسطنطينية فخرج علينا صف عظيم من الروم فبرز إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر. وعلى أهل مصر عقبة بن عامر وعلى الجماعة فضالة بن عبيد، فحمل رجل من المسلمين على الروم حتى دخل فيهم ثم خرج إلينا، فصاح الناس إليه فقالوا: سبحان الله! ألقى بيديه إلى التهلكة. فقال أبو أيوب: يا أيها الناس، إنكم لتتأولون هذه الآية على غير التأويل. وإنما نزلت فينا معشر الأنصار، إنا لما أعز الله دينه وكثر ناصروه قلنا فيما بيننا: لو أقبلنا على أموالنا فأصلحناها.. فأنزل الله هذه الآية... وإقبال الناس على أموالهم يستصلحونها ليس جرما ينهون عن اقترافه، فإن تعهد المتاجر والمحاقل بما يزيد غلتها ويضعف ثمرتها عمل مطلوب لا قيام للدنيا إلا به، ثم لا قيام لدين إلا إذا ساندته دنيا، نماها العمل، ثم أنهكها البذل في سبيل الله . وإنما خيف على المسلمين الأوائل أن يقعدوا عن نصرة الدين ويركنوا إلى ما بقى لهم من مال ظانين أن الإسلام قد انتصر وفرغ من أعدائه فلا ضرورة لإعداد ولا استعداد. وهذا خطأ. فإن أعداء الحق لا يخلو منهم جيل ولا ينقطع لهم كيد. ولئن كان الهجوم المسلح غير مطلوب دينا، فإن السلم المسلح من أركان الدين. وذلك يتقاضى الأمة أن تأخذ أهبتها كاملة فلا تبخل على غدد الحرب بمال، ولا تمسى إلا وهى واثقة من أنها على حذر وتهيؤ فإذا بوغتت ردت على العادين وهى عزيزة قادرة. فأما الأمم التى تنام على تفريط وتضن على حماية نفسها ورسالتها بالأرواح والأموال، فهى أمم لا شك هالكة، في عالم يقال فيه: من لم يتذأب أكلته الذئاب. إن النفقة في هذه