فهرس الكتاب
الوجوه سياج يحمى المآثر ويصون الحياة. كما قال الله: (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء ..) . ص _104
حول مخرج الحسين حكام المسلمين في أغلب العصور يُعدون أضعف المسلمين إيمانا، وأشرههم نفوسا وأزهدهم في مرضاة الله. وإذا استثنينا الخلافة الراشدة ونفرا يعدون على الأصابع ممن اقتفوا آثارها واقتبسوا أنوارها فإن الكثرة الباقية تكون سلسلة من المآسى التى ضاعت في غمرتها حقوق الله والناس. وعندما ننظر خلفنا- بعد أربعة عشرة قرنا من الهجرة- نجد ثلاثة أسر كبيرة حكمت هذا التاريخ المديد: أمية، العباس، عثمان. من هذه الأسر الثلاث برز أغلب ملوك المسلمين، ودانت لهم الجماهير في المشارق والمغارب، وهناك أسر أخرى أصغر شأنا ظهرت هنا وهناك حاكت الأسر الأخرى المحظوظة من أموية وعباسية وعثمانية، وطبقت أسلوبها في حكم الدنيا والدين. ولا نعرف من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم سندا لهذا الإقطاع السياسى الرهيب.. ولا ندرى لم امتد في آفاق الإسلام هذا الدخان الخانق الكئيب؟! لكن الذى ندريه جيدا أن أمر المسلمين شورى، وأنه ليس لأحد أن يفتات عليهم، أو يستبد بهم، وأن الشعوب تختار أكفأ رجل فيها لتلقى إليه زمامها، وأنها تسائله عما اؤتمن عليه، وتقصيه أو تدنيه وفق سيرته فيها. لكن أبناء هذه الأسر ملكوا فقل فيهم القوى الأمين. وكثر فيهم الفجرة الخونة، وكانت مقاليد الأمور تصل إليهم ميراثا مقررا. وكما يرث المرء عن أبيه ضيعة أو مالا أو أنعاما يرث هؤلاء الشعوب الكثيفة بما فيها من خواص وعوام، وعباقرة وطغام.. وأول من ابتدع هذه البدع وغرس شجرتها المشئومة معاوية بن أبى سفيان. وإذا كان الأولون قد تلقوا هذه البدعة بالمقاومة الضعيفة، وإذا كان هناك من قبلها إغماض وترخص، فإن ما نشأ عنها على مر الزمن من رذائل وآثام يكشف جسامة شرها وفداحة أثرها. ص _105