فهرس الكتاب

الصفحة 3 من 12

ويبلغ بك يا بني العجبُ من شدة تعلُّق الوالد بولده عندما تتأمل ما حصل ليعقوبَ لما قَرُبت أيَّام الفرج.. لقد وجد ريحَ يوسف عندما دخل قميصُه بلدةَ يعقوب مع العير القادمة.. قميصُه ليس شخصه! { وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } [يوسف: 94] .. تُرى! كم كانت المسافة بين يعقوب وقميص يوسف؟! أمَّا حين ألقى البشيرُ القميص على وجه هذا الوالد الذي فقد بصره ارتد بصيرًا في الحال.. بمجرد ملامسته للقميص!. ثم هل من الممكن أن تستطيع تصوير مشاعر يعقوب عندما التقى يوسفَ وبنيامين حقيقة ؟!

ووجود رائحة الولد بعد طول فراق وقعت في عهد عمر - رضي الله عنه - لأميَّة بن الأسكر رحمه الله الذي قدم إلى المدينة آنذاك، وكان له ولدٌ اسمه كلاب، وكلاب كان بارًّا بوالديه، ذهب إلى الجهاد وترك والديه بعد أن أرضاهما؛ ولكنه أبطأ، فاشتدَّ حزنُه على ولده، ولمَّا رأى حمامة تدعو فرخها بكى، فرأته أمُّ كلاب فبكت، فأنشأ قصيدة تغنَّت بها الركبان إلى اليوم، ومنها قوله:

إذا هتفت حمامةُ بطنَ وجٍّ ... على بيضاتها ذكرا كلابا

يعني نفسه وأم كلاب.

ثم أصابه العمى فجاء إلى عمر يرجوه أن يرد كلاب، فكتب عمرُ برده، ولما وصل كلابٌ سأله عمر عن بره بأبيه. فقال كلاب: أُوثره وأكفيه أمرَه، وكنت إن أردتُ أن أحلبَ له لبنًا أجيء إلى أغزر ناقةً في إبلهِ، فأريحَها وأتركها حتى تستقر، ثم أغسل ضرعها حتى تبردَ، ثم أحلبَ له فأسقيَه، فأمره عمرُ بأن يحلبَ ناقةً كما كان يفعل، وأخذ عمر الإناء، وقال لأبي كلاب: اشرب. فلما أخذه، قال: والله يا أمير المؤمنين إني لأشُم رائحة يدي كلاب، فبكى عمر، وقال: هذا كلاب، فوثبت الأب وضمه، وبكى عمر وبكى الحاضرون، وقالوا لكلاب: الزم أبويك فجاهد فيهما ما بقيا.

بُني: ألم تهتز مشاعرك لهذه المشاهد؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت