فهرس الكتاب

الصفحة 101 من 113

الذِكر

ينبغي لكل مأمور أن يكون على صلة دائمة بآمره، وأهل الرباط يرابطون في سبيل الله، فوجب عليهم أن يكونوا على صلة دائمة بمن يرابطون في سبيله ولا يتم ذلك إلا بذكر الله.

إن المرابط من أحوج الناس إلى ثبات القلب ورباطة الجأش ولا يتم ذلك إلا بذكر الله، ومن أجل ذلك فإن الله لما أمر بالثبات عند مواجهة الأعداء أمر معه بما يعين عليه، فقال: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون} [الأنفال: 45] .

والمرابط محتاج دوما إلى أن يكون الله معه يمده بالعون والتأييد والنصر، وإنما يتم له ذلك بذكر الله عز وجل.

ففي الحديث القدسي: (أنا مع عبدي ما ذكرني وتحركت بي شفتاه) [رواه البخاري] .

وأهل الذكر مذكورون عند الله: {فاذكروني أذكركم} [البقرة: 152] .

وفي الحديث القدسي: (من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ... ) .

ومن ذكره الله أيده ونصره في الدنيا والآخرة.

والإنسان باعتباره إنسانا؛ قد يتعرض لشيء من قسوة القلب، والمؤمن إنسان يعتريه ما يعتري الإنسان من ذلك، خصوصا إذا طال الرباط وتأخر النصر المنشود، ولا علاج لهذه الحالة إلا بذكر الله، فهو جلاء القلوب.

وقد روى البيهقي من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: (لكل شيء صقالة وإن صقالة القلوب ذكر الله عز وجل) .

وقال رجل للحسن البصري: (إني أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أذبه بذكر الله) .

وذكر الله حياة القلوب، وفي الغفلة موتها.

وقد ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلا للذي يذكر الله والذي لا يذكره، فقال: (مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره مثل الحي والميت) .

قال شيخ الإسلام: (الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء) .

وأهل الغفلة هم أهل الوحشة وقلوبهم في موات:

فنسيان ذكر الله موت قلوبهم وأجسامهم قبل القبور قبور

وأرواحهم في وحشة من جسومهم وليس لهم حتى النشور نشور

والمرابط محتاج إلى قوة يواجه بها العقبات والصعاب، وذكر الله من خير ما يعين على ذلك، ألا ترى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جاءته فاطمة رضي الله عنها تسأله خادما وتشكو إليه ما تقاسيه من الطحن والسعي والخدمة، فإنه نصحها وزوجها عليا رضي الله عنهما بذكر الله، وأمرهما أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثا وثلاثين، ويحمدا ثلاثا وثلاثين، ويكبرا أربعا وثلاثين، وقال: (انه خير لكما من خادم) .

ويذكر ابن القيم عن شيخه ابن تيمية رحمهما الله أنه كان لملازمته الذكر ذا طاقة عجيبة في العلم والعمل حتى كان يكتب في اليوم الواحد من التصنيف ما يكتبه الناسخ في جمعة أو أكثر، قال: (وقد شاهد العسكر من قوته في الحرب أمرا عظيما) .

فعليك أخي المرابط بذكر الله والمداومة عليه ...

إن كنت تريد أن تكون من السابقين فكن من الذاكرين.

فان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (سبق المفردون) ، قالوا: (وما المفردون يا رسول الله؟) ، قال: (الذاكرون الله كثيرا والذاكرات) [رواه مسلم] .

وإن كنت تريد أن تكون ممن يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله، فكن من الذاكرين.

فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر من السبعة الذين يظلهم الله بظله يوم لا ظل إلا ظله: ( ... ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه من الدمع) .

وإن كنت تريد أن يباهي الله بك ملائكته فكن من الذاكرين.

فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم على حلقة من أصحابه جلسوا يذكرون الله فقال: ( ... أتاني جبريل فأخبرني أن الله يباهي بكم ملائكته) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت