لابد للمرابط من سلاح مادي يقاتل به أعداء الله الظاهرين، ولابد له أيضا من سلاح معنوي يستلهم به التوفيق الإلهي، وسلاحك المعنوي أخي المرابط هو الدعاء.
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (الدعاء سلاح المؤمن) [رواه الحاكم وصححه] .
إن الدعاء رباط وثيق يصل العبد بربه وخالقه وما أحوج المرابط إلى دوام الصلة بخالقه، فهل رأيت عبدا يستغني عن سيده ومولاه؟!
ولو لم يكن الدعاء شرعا ودينا لكان لازما من لوازم الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
ألا ترى إلى المشركين كانوا إذا داهمهم الخطر واشتد الكرب يخلصون دعاءهم لله: {وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين} [لقمان: 32] ، نعم إن الآية توضح بعد ذلك أن هؤلاء المشركين إذا صاروا إلى مأمن نسوا دعاءهم هذا: {فلما نجاهم إلى البر فمنهم مقتصد وما يجحد بآياتنا إلا كل ختار كفور} [لقمان: 32] .
ولكن يبقى ذلك الأمر شاهدا على أن التوجه إلى الله في الشدائد هو شيء من مقتضيات توحيد الربوبية الذي هو في الفطرة ومستقر في القلوب، فكيف والدعاء أمر قد أوجبه الله تعالى على عباده المؤمنين: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر: 60] ، وبالتالي فإن الدعاء هو العبادة - كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم - فإذا كان المشركون يتذكرون ربهم عند الشدائد فيدعونه، فإن شأن المؤمنين الموحدين أنهم يدعون الله دوما وفي كل حين، لعلمهم أن الله يحب عبده الذي يدعوه ويلح في دعائه، ويغضب سبحانه إن لم يسأل.
أليس الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: (من لم يسأل الله يغضب عليه) .
فأكرم به من إله جواد كريم لا يكتفي بإعطاء السائلين بل يغضب إن لم يسألوه ...
لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يُسأل يغضب
ومن أجل ذلك أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن ندعو الله في كل شأن من شؤوننا: (ليسأل أحدكم ربه في كل شيء حتى شسع نعله إذا انقطع فانه إن لم ييسره لم يتيسر) .
واعلم أخي المرابط أن الله قد تكفل بإجابة الداعين: {وقال ربكم ادعوني أستجب لكم} [غافر: 60] ، فأكثر من الدعاء، ولا تحمل هم الإجابة.
وذلك على حد قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إني لا أحمل هم الإجابة وإنما أحمل هم الدعاء ولكن إذا ألهمت الدعاء فإن الإجابة معه) .
لقد روى الإمام أحمد عن مطرف بن عبد الله رضي الله عنه قال: (تذاكرت ما جماع الخير، فإذا الخير كثير الصيام والصلاة، وإذا هو في يد الله تعالى إلا أن تسأله فيعطيك، فإذا جماع الخير في الدعاء) .
فاحرص أخي على جماع الخير وعود نفسك أن تلجأ إلى الله في كل وقت وفي كل حين، داعيا متذللا خاشعا، فهكذا كان يفعل نبيك صلى الله عليه وسلم مع علو قدره ومنزلته، بل ومع يقينه بأن الله ناصره ولن يخذله، فكيف بنا وقد غطت حياتنا المعاصي والذنوب؟
إن الله سبحانه قد فتح لنا أبواب الخير وندبنا إلى دعائه، فكيف نتكاسل عن ذلك؟
فهيا أخي كن من الداعين، وكن دوما ذاكرا لهذا الحديث القدسي: (يا عبادي كلكم جائع إلا من أطعمته فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار إلا من كسوته فاستكسوني أكسكم، يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم، يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار وأنا أغفر الذنوب جميعا فاستغفروني أغفر لكم ... ) .