قال ابن القيم: (أجمع العارفون؛ على أن الزهد سفر القلب من وطن الدنيا وأخذه في منازل الآخرة) .
وقال: (لا تتم الرغبة في الآخرة إلا بالزهد في الدنيا، ولا يستقيم الزهد في الدنيا إلا بعد نظرين صحيحين:
النظر الأول: النظر في الدنيا، وسرعة زوالها وفنائها واضمحلالها وخستها.
والنظر الثاني: النظر في الآخرة وإقبالها ومجيئها ودوامها وبقائها وشرف ما فيها من الخيرات والمسرات والتفاوت الذي بينه وبين ما هاهنا فهي كما قال سبحانه: {والآخرة خير وأبقى} [الأعلى: 17] .
وقال: (وعلى قدر رغبة العبد في الدنيا ورضاه بها يكون تثاقله عن طاعة الله وطلب الآخرة) .
وصدق ورب الكعبة.
ولذا قلنا؛ أنه زاد لابد منه للمسلم العامل لدينه.
زاد متى غاب غابت كل صور البذل والتضحية والعطاء المطلوبة لنصرة هذا الدين ولرفعة هذا الدين.
متى غاب هذا الزاد؛ توقف كل سعي، ولقد عير القرآن من رضي بالدنيا من أهل الإيمان فقال: {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل} [التوبة: 38] ، ثم توعدهم أشد الوعيد، {إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما} [التوبة: 39] .
فالدنيا وحبها وتعلق القلب بها وانشغال الجوارح بالعمل لها هذا هو الذي يحول بين العبد وبين الجهاد في سبيل الله، وعلى العكس من ذلك يكون بيع الدنيا وشراء الآخرة هو الدافع على القتال في سبيل الله، {فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة} [النساء: 74] .
بيع الدنيا والإقبال على الآخرة؛ هو الذي يجعل العبد يستهين بكل ما يلقاه من أذى في سبيل الله، {فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} [طه: 72] .
بيع الدنيا والإقبال على الآخرة؛ هو الذي حدا بأنس بن النضر إلى الاستبسال يوم أحد حتى أصيب ببضع وثمانين جرحا قبل أن يقتل في سبيل الله لأنه كما أخبر، وجد ريح الجنة قبل أحد، فانطلق نحو أحد فأكرمه الله دون أحد.
الزهد في الدنيا وإيثار الآخرة؛ هو الذي ملأ قلب الصحابي الجليل عمير بن الحمام، لما سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول يوم بدر: (قوموا إلى جنة عرضها السماوات والأرض) ، فقال: (يا رسول الله جنة عرضها السماوات والأرض؟!) ، قال: (نعم) ، قال: (بخ! بخ!) ، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما يحملك على قولك بخ بخ؟) ، فقال: (رجاء أن أكون من أهلها) ، فقال صلى الله عليه وسلم: (فإنك من أهلها) ، فأخرج تمرات فجعل يأكل منهن ثم قال: (لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة) ، فرما بما كان معه من التمر ثم قاتلهم حتى قتل.
هذه النوعية من الرجال مفقودة بيننا اليوم، وهي النوعية الوحيدة القادرة على العمل، لهذا الدين ولن يتأتى لنا أن نكون مثل هؤلاء في شجاعتهم وإقدامهم وبذلهم وتضحيتهم إلا إذا كنا مثلهم في زهدهم في الدنيا وإيثارهم للآخرة.
وكتب الحديث والسيرة تزدحم بالصور التي تحكي عن حال هؤلاء الرجال في زهدهم في الدنيا للآخرة، فإن تشبهنا بهم في هذه رجونا أن نكون على دربهم في الإقدام والتضحية والبذل والعطاء، أما أن نطمع أن نعمل ونجاهد وننصر الدين من غير أن نأخذ بالأسباب التي تيسر لنا ذلك ودون أن نقطع العلائق التي تجذبنا نحو الأرض، فهيهات ... هيهات ... هيهات.
ولسنا نعني بالزهد في الدنيا تحريم الحلال من مال وطعام ونكاح ولا تنكيس الرؤوس والسير بجوار الحيطان ولا تعمد لبس الدون من الثياب.
إنما الزهد الذي نعنيه يتمثل في أمور ثلاثة:
الأول: الزهد في الحرام وهذا الزهد فرض عين على كل مسلم.