فهرس الكتاب

الصفحة 88 من 113

روت كتب السيرة؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر كفار قريش بعد عودته من رحلة الإسراء والمعراج بما كان من أمره في تلك الليلة فلم يصدقوه وأسرعوا إلى أبو بكر الصديق رضي الله عنه ليخبروه بما قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، ظنا منهم أن ذلك سيرده عن إتباع النبي صلى الله عليه وسلم، فقال أبو بكر رضي الله عنه لهم: (إن كان قال ذلك فقد صدق) .

ولما نزلت سورة الروم، {ألم غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين} [الروم: 1 - 3] ، أسرع الكفار إلى أبي بكر رضي الله عنه وقالوا: (إن صاحبك يزعم أن الروم ستغلب!) ، فقال أبو بكر رضي الله عنه: (صدق) ، وراهن الكفار على حدوث ذلك - وذلك قبل تحريم الرهان -

هذا هو اليقين الذي يجب أن تتزود به الجماعة المسلمة.

اليقين بما قاله الله تعالى، وبما وعد به سبحانه، {ومن أصدق من الله قيلا} [النساء: 122] ، {وعد الله لا يخلف الله وعده} [الروم: 6] ، اليقين بما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: ما دام قال فقد صدق.

هذا هو اليقين الذي نحتاجه ونفتقر إليه.

اليقين؛ بأن الله تعالى يدافع عن الذين آمنوا.

اليقين؛ بأن هذا الدين سينتصر ولا محالة.

اليقين؛ بأن مع العسر يسرا ومع الضيق فرجا.

اليقين؛ بأن البلاء جزء من مسيرة النصر.

اليقين؛ بأن النصر حليف المجاهدين الصابرين الصادقين وإن كانوا قلة.

اليقين؛ بأن أحدا من الخلق لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا.

والفارق بين الحركة الموقنة والغير الموقنة؛ فارق كبير، إنه الفارق بين الحياة والموت، حركة بغير يقين موات لا حياة فيه، أما الحركة الموقنة؛ فإنها حركة ثابتة راسخة، تدور بها الدوائر وتتعاقب عليها الأهوال فلا يؤثر ذلك فيها.

لقد وقف المؤمنون والمنافقون متجاورة أجسادهم في غزوة الخندق وسمعوا سويا وعد رسول الله بفتح بلدان كسرى وقيصر، فلم يصدق المنافقون الوعد ولم يوقنوا أن ذلك واقع، بينما أيقن المؤمنون وصدقوا، فانصرف المنافقون قائلين كما أخبر القرآن: {ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورا} [الأحزاب: 12] ، وثبت المؤمنون الصادقون الموقنون بوعد الله وقالوا: {هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله} [الأحزاب: 22] .

والجماعة المسلمة إن لم يكن لها رصيد عال من اليقين؛ جاءت أقوالها وأفعالها كأقوال وأفعال المنافقين.

إن الأسى يعتصرنا ونحن نسمع مقولات ضعاف الإيمان والذين في قلوبهم مرض تتناثر في ساحة العمل الإسلامي ويتناقلها بعض العاملين للإسلام في هذه الأزمان، وما هذا إلا أثر من آثار ضعف اليقين في القلوب، إنهم لا يصدقون أن القلة الضعيفة ستغلب، فتنطلق مقولات الذين في قلوبهم مرض من أفواههم: {ائذن لي ولا تفتني} [التوبة: 49] ، {لا تنفروا في الحر} [التوبة: 81] ، {إن بيوتنا عورة} [الأحزاب: 13] ، {شغلتنا أموالنا وأهلونا} [الفتح: 11] ، {لا مقام لكم فارجعوا} [الأحزاب: 13] .

غير أن المؤمنين ما زالوا موقنين مصدقين ما زالوا يرددون قول المؤمنين: {كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله} [البقرة: 249] ، وما زالوا يرددون قول موسى عليه السلام {إن معي ربي سيهدين} [الشعراء: 62] .

ما زالوا يرددون قول نبينا صلى الله عليه وسلم: (إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها) [رواه مسلم] .

والأمل معقود على هذه القلة القليلة، الأمل معقود عليها في أن تعمل بيقينها وتتحرك وفق قناعتها وأن لا تتأثر بالمخذلين والمعوقين من حولها ممن تعج بهم الأرض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت