لقد خاض المسلمون الكثير من المعارك بعدد قليل وعدة متواضعة، ولكنهم أقدموا ولم يحجموا، وذلك أنهم كانوا موقنين بأن الله ناصر جنده ومظهر دينه، فأورثهم هذا اليقين حسن توكل على الله وصدق اعتماد عليه، فخاضوا غمار المعارك وكان أن نصرهم الله بحسن توكلهم عليه، فكان اليقين وما يورثه من توكل سببا رئيسيا ومباشرا في تحقيق النصر، وليس أدل على ذلك مما حكاه القرآن عن سبب الهزيمة في بادئ الأمر يوم حنين أنه ضعف التوكل على الله لالتفات القلب إلى غيره: {ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} [التوبة: 25] .
لقد حانت من العدو التفاتة إلى العدد والعتاد، وقال القائل: (لن نغلب اليوم من قلة) ، فكان الدرس؛ كانت الهزيمة أول النهار وفر اثنا عشر ألف مقاتل ثم اجتمع ثمانون فقط حول رسول الله صلى الله عليه وسلم وانتزعوا النصر من هوازن.
إنه درس عظيم ذلك الذي تلقاه المسلمون يوم حنين، لقد تعلموا أهمية التوكل وأنه هو ... لا العدد والعتاد مطيتهم إلى النصر.
ويوم يضيع التوكل يضيع النصر قبله الجهاد.
يوم يضيع التوكل يقعد المسلمون عن الجهاد ويتثاقلون إلى الأرض ويقولون كما قالت بنو إسرائيل من قبل، {فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] ، قالوا وأبوا أن يقاتلوا بحجة أن؛ {فيها قوما جبارين} [المائدة: 22] ، أبوا أن يدخلوا القرية التي كتبها الله لهم، ووقف رجلان من الذين يخافون أنعم الله عليهما يحثانهم: {أدخلوا عليهم الباب فإذا دخلتموه فإنكم غالبون وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 23] ، ولكن ضاع التوكل فحرموا النصر وحق عليهم خزي الدنيا وعذاب الآخرة، {قال فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين} [المائدة: 26] .
فعندما يضيع التوكل؛ يفقد العبد كل شيء ولا يبقى إلا خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
عندما يضيع التوكل؛ يستولي الشيطان على العبد، قال تعالى: {فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون} [النحل: 98 - 99] .
أما من عدا هؤلاء فهم أولياؤه؛ {إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} [النحل: 100] ، {إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه} [آل عمران: 175] .
عندما يضيع التوكل؛ يفقد العبد صدق العزم وقوة الإرادة والإقدام والشجاعة، ليحل محلها الجبن والتردد والخور والوهن واليأس والقنوط.
عندما يضيع التوكل؛ يفقد العبد محبته لله تعالى، {إن الله يحب المتوكلين} [آل عمران: 159] ، ويفقد العبد حقيقة الإيمان، {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون} [الأنفال: 2] ، {وعلى الله فليتوكل المؤمنون} [آل عمران: 122] ، {وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين} [المائدة: 123] .
قال سعيد بن جبير: (التوكل جماع الإيمان) .
وقال وهب بن منبه: (الغاية القصوى التوكل) .
إن العبادة الحقة لا تقوم إلا على ساق التوكل، لذا قرن القرآن بينهما في غير موضع، قال تعالى: {ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه} [هود: 123] .