الجماعة المسلمة لن تستطيع أن تقوم بدورها إلا إذا كان لديها رصيد عظيم من التوكل، فالجاهلية من حولها أكثر عددا وعتادا وسلاحا ومتاعا وأشد بأسا، فإن لم نتوكل على الحق حق توكله فهيهات ... هيهات أن يكون لديها الجرأة على التقدم ولو خطوة واحدة في سبيل الله، أما إذا ما توكلت على الله سبحانه وأحسنت في توكلها هذا وأخلصت فإنه سيكون بمقدورها أن تتحدى العالم بأسره شرقه وغربه وتقول كما قال هود عليه السلام من قبل، {فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} [هود: 55 - 56] .
وما أروع البيان: {إني توكلت على الله ربي وربكم} ، إنه ربي وربكم بيده أمري وأمركم فكيف لا أتوكل عليه وهو القادر على أن يكفيني بأسكم وينصرني عليكم رغم كثرة عددكم وعدتكم فإنه: {ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها} .
ومما ينبغي أن يعلم في هذا الباب أن الأخذ بالأسباب المشروعة لا يقدح في صحة التوكل ولا ينقص من درجته.
فالتوكل هو صدق اعتماد القلب على الله، فمتى كان القلب معتمدا على الله وحده فلا يضر العبد بعد ذلك أن يأخذ بالأسباب المشروعة طالما أن القلب متعلق بها، بل إن من يترك الأخذ بالأسباب المشروعة سيأثم، قال تعالى: {وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل} [الأنفال: 60] ، والإعداد سبب مشروع مأمور به فمن تركه وخرج للجهاد بغيره أثم.
وقال سبحانه آمرا المؤمنين: {خذوا حذركم} [النساء: 71] ، وأمرهم أن يحملوا السلاح وقت الصلاة في ميدان القتال مخافة أن يحمل عليهم العدو وهم في صلاتهم، وذهب الشافعي؛ إلى وجوب حمل السلاح حينئذ، وليس لمدع أن يزعم أنه سيترك الأخذ بالأسباب المشروعة مكتفيا بالتوكل، لأنه ليس هناك فوق توكل رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد كان عليه الصلاة والسلام يأخذ بالأسباب: فقد ظاهر عليه الصلاة والسلام بين درعين يوم أحد، واختفى في الغار من الكفار.
وقال يوم الأحزاب: (ألا رجل يأتيني بخبر القوم) .
وقال لنعيم بن مسعود: (خذل عنا إن استطعت فإن الحرب خدعة) .
وقال: (من يحرسنا الليلة) [رواه أحمد] .
ورأى أعرابيا يترك ناقته على باب المسجد ويدخل للصلاة، قائلا: (توكلت على الله) ، فقال له: (اعقلها وتوكل) [رواه الترمذي] .
{لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة} [الأحزاب: 21] .
فمن ترك الأخذ بالأسباب المشروعة بحجة التوكل فقد أحدث في دين الله تعالى، وفعله هذا ليس من التوكل في شيء، بل هو عجز وتفريط وتضييع يفضي إلى مذلة ومهانة وخزي في الدنيا والآخرة.
والواجب علينا أن نأخذ من الأسباب المشروعة ما يعيننا على القيام بأوامر الشارع سبحانه ثم نمضي في طريقنا متوكلين على الله لا على الأسباب هذا ما امرنا به.
وعلى العكس من هؤلاء؛ الذين يتركون الأخذ بالأسباب بحجة التوكل، يقف أقوام آخرون قد اعتمدوا بقلوبهم تمام الاعتماد على الأسباب وتوكلوا عليها وغابت عن قلوبهم حلاوة التوكل على الله تعالى، وكلا الفريقين مذموم فعله معوج فهمه.