إن العبد ليتقلب بين مصيبة وبلاء يصبر عليها، ونعمة يشكر ربه عليها ومن أجل ذلك قال كثير من السلف: الإيمان نصفان، نصف شكر، ونصف صبر.
وفي الحديث الصحيح: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له) .
وقال عمر بن الخطاب: (لو كان الصبر والشكر بعيرين لم أبال أيهما ركبت) .
فكلاهما زاد للمسلم في طريقه إلى ربه، ومن اجل ذلك تكرر في القرآن قوله تعالى: {إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور} [إبراهيم: 5] .
لقد قسم القرآن الناس إلى فريقين: أحدهما كفر بنعمة الله سبحانه وتعالى، والآخر عرفها وأقر بها وشكرها، قال تعالى: {إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا} [الإنسان 3] ، فالشكر هو الغاية التي من أجلها خلق الله الإنسان، قال تعالى: {والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئا وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون} [النحل: 78] .
والجماعة المسلمة إذا أرادت أن تحضى برضا المولى تبارك وتعالى؛ فلابد أن يكون أبناؤها من الشاكرين، لابد أن تعلمهم كيف يشكرون نعمة المولى عز وجل عليهم وتحذرهم من مغبة كفر النعمة فإن ذلك قرين سخط الله تعالى إن ثبات الجماعة المسلمة على الحق وعدم تزلزل كيانها يرتبط ارتباطا وثيقا بشكر أفرادها للمولى عز وجل، {وما محمد إلا رسول خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيه فلن يضر الله شيئا وسيجزي الله الشاكرين} [آل عمران: 144] .
إن الله تعالى قد أمر موسى عليه السلام أن يأخذ الدين بقوة وأن يكون من الشاكرين، وعلى الجماعة المسلمة أن تأمر كل فرد فيها بذات الأمر؛ {فخذ ما آتيتك وكن من الشاكرين} [الأعراف: 144] .
إن الجماعة المسلمة لابد أن تعلم أفرادها أن الله تعالى يبتلي بالنعم كما يبتلي سبحانه بالمحن، {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} [الأنبياء: 35] .
إن الله تعالى قد يفتح على المسلم أبواب الخير والرزق فتنهال عليه الأموال وتنهال عليه الأرزاق، فإن ثبته الله تعالى وأيده وجعله من الشاكرين الذين يؤدون الحقوق ويعترفون للمنعم سبحانه بالفضل والمنة، وإلا هلك العبد وركن إلى الدنيا وزينتها الفانية، وكانت النعمة نعمة عليه.
وصدق من قال: (إذا تتابعت عليك نعمه وأنت مقيم على معاصيه فاحذر فإنه استدراج) .
لذا وجب على الجماعة المسلمة أن تشكر الرب تعالى على نعمه عليها وإلا زالت، أو استمرت نقمة منه سبحانه واستدراجا لمن لم يطعه ويشكر نعمه إذا رأت الزيادة في الأنصار والأعوان فعليها بالشكر، إذا ذاع صيتها وانتشرت دعوتها فعليها بالشكر، إذا ازدادت علما وفقها فعليها بالشكر، إذا ازداد عددها وعدتها فعليها بالشكر.
فالشكر هو الذي يحفظ عليها هذه النعم ويجلب لها ما لم تحصل عليه من بعد، {لئن شكرتم لأزيدنكم} [إبراهيم: 7] .
لذا سمى العلماء الشكر؛ بالحافظ والجالب، لأنه يحفظ الموجود ويجلب المفقود منها.
قال عمر بن عبد العزيز: (قيدوا أنعم الله بالشكر) .
وقال الحسن: (إذا أنعم الله على قوم سألهم الشكر فإذا شكروه كان قادرا على أن يزيدهم وإذا كفروا كان قادرا على أن يبعث نعمته عليهم عذابا) .
ولعل سائلا يتساءل: وماذا تعنون بالشكر؟ هل هو كلمات يتمتم بها اللسان عند حلول النعمة أم ماذا؟
ونقول: إن الشكر الذي نعنيه أشمل وأكمل من هذا بكثير إنه يتسع ليشتمل كل أفعال وأقوال وأحوال العبد.
هذا هو الشكر الذي نريده زادا لنا، وهو يتلخص في أمور ثلاثة:
أولها؛ شكر اللسان: وهو أن اللسان دوما يحمد الله تعالى والثناء عليه وذكر فضله ونعمه وذكر تقصيره في شكرها.
قال سليمان: (ذكر النعم يورث الحب لله) .