وأي طائفة تريد أن تعمل لهذا الدين لابد أن يكون لها زادها ونصيبها من الصبر، وإلا فلتدع هذا الطريق لمن هو أهل له، لتدع هذا الطريق للصابرين الصادقين.
ذكر ابن كثير في سيرته؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مكث بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم، وفي المواسم يقول: (من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة) ، فلم يجد أحدا يؤويه ولا ينصره حتى صدقه الأنصار وآمنوا به وساروا إليه اثنان وسبعون رجلا منهم والتقوا به صلى الله عليه وسلم في شعب العقبة، فأخذ عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وشرط، وأخبرهم أن لهم الجنة، إن هم قبلوا فقام أسعد بن زرارة - وهو أصغر القوم - فقال: (رويدا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وإن إخراجه اليوم مناوأة للعرب كافة وقتل خياركم وتعضكم السيوف، فإما أنتم قوم تتصبرون على ذلك فخذوه وأجركم على الله، وإما أنتم قوم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه، فبينوا فهو أعذر لكم عند الله) فقالوا: (أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة ولا نسلبها أبدا) [رواه أحمد] .
والجماعة المسلمة التي تريد أن تنصر هذا الدين وتطمع أن تكون بذلك من أهل الجنة؛ لابد لها من صبر عظيم، لابد لها من صبر يعينها على أداء الأمانة والقيام بالأعباء ومجابهة الأعداء، أما إذا كانت لا تعرف الصبر ولا تطيقه ولا تنتويه فلتبين هذا، ولتتنحى جانبا لعله يكون أعذر لها عند ربها، بدلا من أن تقوم وتحمل الراية ثم لا تلبث أن ترتد على عقبها وتدع اللواء يسقط فتكون فتنة في الأرض وفساد كبير.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (و اعلم أن النصر مع الصبر) [رواه أحمد] .
فلا نصر بغير صبر.
فمن أراد النصر فعليه بالصبر، قال تعالى: {و تمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا} [الأعراف: 137] ، وقال: {و جعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون} [السجدة: 24] .
لذا كان لزاما على الجماعة المسلمة أن تعلم أبناءها الصبر وأن تربيهم عليه وأن تكسوهم لباسه.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ومن يتصبر يصبره الله) .
عليها أن تعلم أبناءها أن الصبر مطية لابد من ركوبها للوصول إلى ما تحلم به الأمة المسلمة من عز وتمكين، وبغير هذه المطية لا تستطيع أن تقطع المكارة أو تصل إلى الهدف.
وعليها أن تعلم أنه ما من مقام من مقامات الإيمان ولا منزلة من منازله إلا والصبر هو المطية إليها، فمن لم يصبر لا بلوغ له، من أراد أن يتعلم فليصبر على الحفظ والمدارسة، من أراد أن يكتسب خصال التقوى، فلا طاقة له بذلك إلا أن يستعين بالصبر، من أراد أن يقلع عن المعاصي ويطهر جوارحه وقلبه فلا طاقة له إلا بالصبر، فالصبر مفتاح كل خير وهداية، {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} [العنكبوت: 69] .
ثم المحافظة على كل هذا لا تكون إلا بالصبر، فمن تخلى عن المجاهدة وترك الصبر نزع منه ما كان قد اكتسبه، ونزلت مرتبته وانتكس سعيه، والعاملون في سبيل الله في حاجة ماسة إلى الصبر.
فالداعية؛ محتاج إلى الصبر لئلا ييأس إذا لم ير أحدا قد استجاب لدعوته، بل قد يناله من جراء دعوته أذى في شخصه.
والمربي؛ في حاجة إلى الصبر فكم من مبتدئ كثير الزلل،
والقائد؛ محتاج إلى الصبر فكم من جندي صعب القيادة،
والمحتسب؛ في حاجة إلى الصبر فكم من مرة سيناله الأذى،
المجاهد؛ أحوج هؤلاء إلى الصبر ليحمل نفسه على هذا الفرض الشاق، {كتب عليكم القتال وهو كره لكم} [البقرة: 216] .