فهرس الكتاب

الصفحة 97 من 113

وتتضاعف الحاجة إلى الصبر هذه الأزمان حيث نقيم وتحيا دعوتنا في بلدان يحكمها أعداؤنا، ونريد أن نزيحهم ونعلي شريعتنا، فما أحوجنا إلى الصبر فكم من مرة سيحملون علينا وكم من مرة ستشد علينا جحافلهم فإن لم نصبر اجتثوا دعوتنا من فوق الأرض.

والصبر ليس ما يظنه كثير من الناس اليوم من سكوت عن الحق ومداهنة للباطل، لا ليس هذا صبرا إنما هو دعوة مذلة ومهانة.

إن الصبر المأمور به والممدوح شرعا منحصر في أبواب ثلاثة:

1)صبر على الطاعة.

2)صبر عن المعصية.

3)صبر على البلاء.

1)الصبر على طاعة الله ورسوله:

فالنفس تميل إلى الراحة والسكون، والتكليفات فيها نوع من المشقة، وتتفاوت المشقة، وتتفاوت المشقة من تكليف لآخر، فالجهاد أشق من الحسبة والصوم، والصوم أشق من الوضوء، والوضوء بالماء البارد في الشتاء أشق منه في الصيف، وتختلف المشقة من شخص لآخر، فمن يغلب عليه حب الديار تشق عليه الهجرة، ومن يغلب عليه قسوة القلب تشق عليه الصلاة، وأشق العبادات مطلقا الجهاد، ولذا قال البعض كما حكى القرآن: {ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب} [النساء: 77] .

والمقصود أن الجميع في حاجة إلى الصبر ليستطيعوا حمل النفس على الطاعة فلابد من الصبر قبل الطاعة لحمل النفس على البدء فيها وصدق التوجه بها إلى الله.

ولابد من الصبر أثناءها لحمل النفس على إتمامها على وجهها الأمثل، ثم لابد من الصبر بعدها لحجز القلب عن الالتفات لها بعين العجب وحبس اللسان عن التحدث بها رياء أو سمعة.

2)الصبر عن معصية الله ورسوله:

و لعمر الله إنه لأشق وأصعب، لأن النفس كما حكى القرآن لأمارة بالسوء فالنفس تأمر بالسوء وتتمناه، والشيطان يؤز العبد ويحرضه، وقرناء السوء يزينون المعصية، والمجتمع لا يستقبحها ولا ينكر على فاعلها، بل قد يمدحه ويرفعه ويثني عليه لفسقه وفجوره، فكيف لا تلبى الجوارح بعد كل هذا نداء المعصية، إنه الصبر الذي يمنع ويقف سدا عاليا بين الجوارح والمعاصي.

لابد من صبر كصبر يوسف حين دعته امرأة العزيز؛ {من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين} [يوسف: 90] .

وما أحوج الجماعة المسلمة إلى أن تعلم أبناءها هذا النوع من الصبر، سنهزم حتما إن عصينا، ولا شك في ذلك.

وصدق أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في وصيته لقائد جيوشه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما: (وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمين بمعصية عدوهم لله ولولا ذلك لم يكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا) ، ثم قال له: (ولا تقولوا إن عدونا شر منا ولن يسلط علينا وإن أسأنا فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل لما عملوا بمساخط الله كفرة المجوس فجاسوا خلال الديار وكان وعدا مفعولا) .

وما أحوج الجماعة المسلمة إلى أن تعلم أفرادها الصبر على ظلم الخلق، بل وبغض هذه المعصية، فلعل منهم من يكون غدا واليا أو صاحب سلطان، فإن لم يربى على التحرز من الظلم وقع فيه.

ومن أكبر المعاصي المحبطة للعمل والتي يجب أن يتحرز عنها جنود العمل الإسلامي؛ حب الرياسة والجاه والتنازع على القيادة، فإنها هي المفرقة التي طالما فرقت كلمة المسلمين.

3)الصبر على البلايا والمحن:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت