لقد شرع الله العبادات في الإسلام زادا يتزود بها المؤمن، فمنها ما يتمثل في القول كالدعاء وذكر الله والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعليم الجاهل وإرشاد الضال ومنها ما يتجلى في الفعل كالصلاة والزكاة والحج والجهاد في سبيل الله ومنها ما ليس قولا ولا فعلا ولكنه كف امتناع فقط، وذلك الصوم.
والصيام عبادة قديمة عرفتها الأديان قبل الإسلام، وان حرف الناس في كيفيته وبدلوا، قال الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون} [البقرة: 183] ، إذن؛ فالصوم يوقظ التقوى في القلوب، والتقوى هي التي تحرس هذه القلوب من إفساد الصوم بالمعصية ولو تلك التي تهجس في البال.
إن الصوم يحرر الإنسان من سلطان غرائزه وينطلق من سجن جسده ويتغلب على نزعات شهوته، ويتحكم في مظاهر حيوانيته، ويتشبه بالملائكة، فليس عجيبا أن ترتقي روح الصائم وتقترب من الملأ الأعلى، ويقرع أبواب السماء بدعائه فتتفتح، ويدعو ربه فيستجيب له، ويناديه فيقول له: لبيك عبدي لبيك.
وفي هذا المعنى يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة لا ترد دعوته؛ الصائم حتى يفطر، والإمام العادل ودعوة المظلوم) [رواه الترمذي وأحمد] .
إن الصوم تقوية للإرادة العازمة الجازمة، وتربية على الصبر، ومجال اتصال الإنسان بربه اتصال طاعة وانقياد، كما أنه مجال الاستعلاء على ضروريات الجسد كلها واحتمال ضغطها وثقلها إيثارا لما عند الله، فالصائم يجوع وأمامه شهي الغذاء، ويعطش وبين يديه بارد الماء، ويعف وبجانبه زوجته لا رقيب عليه في ذلك إلا ربه ولا سلطان إلا ضميره.
فهذه كلها عناصر لازمة في إعداد النفوس لاحتمال مشقة الطريق المحفوف بالعقبات والأشواك، والتي تتناثر على جوانبها الرغائب والشهوات، وتهتف بسالكها آلاف المغريات، فالغاية من الصوم هي الإعداد للدور العظيم الذي أخرجت هذه الأمة لتؤديه أداء تحرسه التقوى ورقابة الله وحساسية الضمير.
حقا إن الصوم يعلم الصبر.
فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صوم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر يذهبن حر الصدر) [رواه أحمد وابن حبان] .
كما يعد الصوم زكاة للبدن.
قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم: (لكل شيء زكاة، وزكاة الجسد الصوم، والصوم نصف الصبر) [رواه ابن ماجة] .
وإنما كان الصوم نصف الصبر، لأن في الإنسان قوى ثلاثا؛ قوة شهوية، كالتي في البهائم، وقوة غضبية، كالتي في السباع، وقوة روحية، كالتي في الملائكة، فإن تغلبت قوته الروحية على إحداهما كان ذلك نصف الصبر, وفي الصوم يتغلب المسلم على قوته الشهوانية من بطن وفرج، فكان حقا نصف الصبر.
إن الإسلام ليس دين استسلام وخمول، بل هو دين جهاد وكفاح متواصل، وأول عدة للجهاد هي الصبر والإرادة القوية، فمن لم يجاهد نفسه وشهواتها، هيهات أن يجاهد عدوا، ومن لم ينتصر على نفسه وشهواتها هيهات أن ينتصر على عدوه، ومن لم يصبر على جوع يوما هيهات أن يصبر على فراق أهل ووطن من أجل هدف كبير.
والصوم بما فيه من صبر وفطام للنفوس، فهو من أبرز وسائل الإسلام في إعداد المؤمن الصابر المرابط المجاهد الذي يتحمل الشظف والجوع والحرمان، ويرحب بالشدة والخشونة وقسوة العيش ما دام ذلك في سبيل الله.
إن من حكم الصوم أنه يعرف المؤمن مقدار نعم الله عليه، لأن الإنسان إذا تكررت عليه النعم قل شعوره بها، والنعم لا تعرف إلا بفقدانها، فالحلو لا تعرف قيمته إلا بعد ذوق المر، والنهار لا تعرف قيمته إلا إذا جن الليل، ففي الصوم معرفة لقيمة الطعام والشراب والشبع والري، ولا يعرف ذلك إلا إذا ذاق الجسم حرارة العطش ومرارة الجوع.