الصفحة 170 من 288

وفى يوم من الأيام خلت مريم لنفسها لقضاء شأن من شئون العذراء الخاصة ... وفجأه انحبس صوتها وشخص بصرها ،إنها مفاجأة مذهلة تأخذ بالعقول بل وتصدع الأفئدة ، بشر سوى في خلوة العذراء البتول الطاهرة . وسرعان ما استغاثت برب الأرض والسموات ولجأت إليه بشدة وقالت: { أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } .

انظر إلى الفطنة والذكاء والورع ! لم تقل أعوذ بالجبار منك ولم تقل أعوذ بالغفار منك وإنما استجاشت الرحمة في قلبه بذكر الرحمن فقالت أعوذ بالرحمن منك ، أى ارحم ضعفى . ارحم أنوثتى . ارحم خلوتى !!

ولكن قدر الله لها مفاجأة أعظم . أن أنطق هذا البشر السوى في خلوة البتول الطاهرة ليقول لها: لا تخافى ولا تحزنى فأنا رسول ربك إليك { لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا } قالت: { أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا } لم أكنْ أبدًا صاحبة فاحشة ، فهى لم تتصور مطلقا وسيلة للإنجاب غير وسيلة التقاء الرجل بالمرأة وهى لم تتزوج بعد ، ولم تفكر أيضا ألبته في الرذيلة ، وهنا يأتى الرد القاطع الحاسم فيقول الملك والرسول الكريم { قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا } .

فهنا يقول المولى { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا ءَايَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء: 91 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت