وفى يوم من الأيام خلت مريم لنفسها لقضاء شأن من شئون العذراء الخاصة ... وفجأه انحبس صوتها وشخص بصرها ،إنها مفاجأة مذهلة تأخذ بالعقول بل وتصدع الأفئدة ، بشر سوى في خلوة العذراء البتول الطاهرة . وسرعان ما استغاثت برب الأرض والسموات ولجأت إليه بشدة وقالت: { أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا } .
انظر إلى الفطنة والذكاء والورع ! لم تقل أعوذ بالجبار منك ولم تقل أعوذ بالغفار منك وإنما استجاشت الرحمة في قلبه بذكر الرحمن فقالت أعوذ بالرحمن منك ، أى ارحم ضعفى . ارحم أنوثتى . ارحم خلوتى !!
ولكن قدر الله لها مفاجأة أعظم . أن أنطق هذا البشر السوى في خلوة البتول الطاهرة ليقول لها: لا تخافى ولا تحزنى فأنا رسول ربك إليك { لأَهَبَ لَكِ غُلامًا زَكِيًّا } قالت: { أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا } لم أكنْ أبدًا صاحبة فاحشة ، فهى لم تتصور مطلقا وسيلة للإنجاب غير وسيلة التقاء الرجل بالمرأة وهى لم تتزوج بعد ، ولم تفكر أيضا ألبته في الرذيلة ، وهنا يأتى الرد القاطع الحاسم فيقول الملك والرسول الكريم { قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ ءَايَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا } .
فهنا يقول المولى { وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا ءَايَةً لِلْعَالَمِينَ } [ الأنبياء: 91 ] .