يحكموا بما فرضه الله عليهم من رجم الزاني المحصن واخترعوا حكمًا بديلًا عن ذلك، فحكم الله بكفرهم بذلك، ونص الآية من صيغ العموم يندرج تحته كل من فعل ذلك.
والواقع اليوم ببلاد المسلمين هو نفس صورة سبب نزول هذه الآية؛ قوم يزعمون الإيمان والإسلام وتركوا أحكام الله وحكموا بشرع مخترع، وقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول في النص، فالذين يحكمون بغير ما أنزل الله اليوم هم كافرون قطعًا.
ولا تنخدع بمن يقول لك؛ إنه كفر دون كفر! أو كفر أصغر غير مخرج من الملة! فإن ما ينسب إلى ابن عباس رضي الله عنهما من ذلك إنما هو أثر ضعيف، لكونه مما انفرد به هشام بن حجير، ولو صحّ ذلك عن ابن عباس لكان مردودًا، فقد عارضه غيره من الصحابة كابن مسعود الذي قال: (ذاك الكفر) ، وقول الصحابي لا يخصص النص العام، كما وأن قول الصحابي لا يحتج به إذا عارضه قول صحابي آخر بل يجب الترجيح بينهما، والكفر في الآية جاء معرفًا بال - الكافرون - فهو الكفر الأكبر المستغرق للكفر، وكل هذه قواعد أصولية متفق عليها.
كما ولا تنخدع بمن يقول لك؛ إن الكفر في هذه الآية هو الأكبر ولكنه في حق المستحل، فإن هذه من الأخطاء التي يتناقلها الناس في كتبهم بغير دليل وبغير تبصر، بل بمحض التقليد، فهذه من مقالات غلاة المرجئة تسربت إلى كتب الفقهاء، ويردها إجماع الصحابة على أن الذنوب المكفرة بذاتها يكفر فاعلها بمجرد فعلها بدون النظر في الجحد أو الاستحلال - وذلك كترك الصلاة كما نقله ابن القيم في كتابه"الصلاة"- أما الذنوب غير المكفرة بذاتها - كشرب الخمر - فلا يكفر فاعلها إلا إذا استحلها كما أجمع عليه الصحابة في شأن قدامة بن مظعون، والذنوب المكفرة بذاتها هي التي دل على كفر فاعلها النص الشرعي السالم من المعارضة، ومنها الحكم بغير ما أنزل الله، {فأولئك هم الكافرون} .
أحنق إلى ذلك أن ما نحن فيه اليوم هو صريح الاستحلال، الذي هو النص على أن ما حرمه الله؛ حلال وجائز، فهم يُجيزون الحكم بالقوانين، بل يوجبونه وهي محرمة، وهم يبيحون الربا والخمر والزنا بالتراضي وهي كلها من المحرمات القطعية، وفي قانونهم؛ إن السكوت عن تجريم الشيء إباحة له.
وإذا كنت قد قلت؛ أن القوانين الوضعية دين جديد، فلا يعني هذا كفر جميع أهل البلاد المحكومة بها، بل الكافرون هم المشرعون لها والآمرون بالحكم بها والحاكمون بها ومن رضي بالتحاكم إليها.