والكفر المبين، التي أخشى أن تصير دينًا مقبولًا لدى الناس إذا سُكِتَ عنها، خاصة مع شيوع الجهل بالدين والركون إلى التقليد.
فلزم التنبيه عليها قيامًا بما أوجبه الله تعالى على كل من أوتي من علم الدين شيئًا في قوله تعالى: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه} ، وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون * إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} ، وعلى هذا كان الصحابة يبايعون النبي صلى الله عليه وسلم؛ أن يقولوا الحق ولا يخافون في الله لومة لائم.
وإنما جرى تبديل الديانات السابقة من اليهودية والنصرانية وتحريفها، باختراع البدع والضلالات وسكوت الباقين عن إنكار المنكر، فصارت تلك الضلالات هي الدين المبدل المتبع إلى يومنا هذا عند اليهود والنصارى، كما قال تعالى: {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قومٍ قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرًا وضلوا عن سواء السبيل} ، والذين كانوا يعرفون الحق منهم هربوا بدينهم من بطش الجبابرة إلى الصوامع والأديرة حتى ماتوا ومات معهم الحق، قال تعالى: {ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله} ، حتى أن عند بعثة النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن على ظهر الأرض ممن يعرف الدين الحق إلا أفراد شذاذ معدودون، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب ... الحديث) [رواه مسلم] ، ويدل عليه أيضًا حديث زيد بن عمرو بن نفيل في رحلة بحثه عن الدين الحق - وحديثه بالبخاري -
ولكن هذا التبديل والتحريف لا ينتهي إليه دين الإسلام أبدًا، نعم قد ظهرت البدع والضلالات على مر قرون أمة الإسلام ولكن الله تعالى قيض من يرد عليها ويكشف زيفها ويظهر الحق ليبقى الدين الصحيح قائمًا ميسورًا لمن يطلب الحق، لتبقى حجة الله قائمة على خلقه إلى يوم القيامة، إذ لا نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، وقد قال تعالى: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} ، وفي أحاديث الطائفة المنصورة المتواترة؛ أنه لا تزال طائفة من الأمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم.
وأدعو الله جل شأنه أن يجعلنا من القائمين ببيان شيء من الحق في هذا المقام، إنه ولي ذلك والقادر عليه.
فأقول وبالله التوفيق: