إن على هؤلاء واجبًا عظيمًا ومسؤولية كبرى. لأنهم قدوة لغيرهم، وأسوة لأتباعهم، ولن يكونوا كذلك حتى يكونوا عاملين بعلمهم. وإننا نأسى عندما نرى من هؤلاء من قد أخفق في تطبيق ما علمه على نفسه. وصار يأمر الناس بالبر وينسى نفسه.
ومن أكثر هؤلاء تأثيرًا المعلم والمعلمة، لأن مهمة المعلم تعليمية وتربوية في آن واحد. فيلزم من ذلك أن يكون على مستوى المسؤولية. وأن يكون قدوة طيبة لتلاميذه. لأن ذلك من أعظم العوامل المؤثرة في صلاحهم. وما أجمل قول عقبة بن أبي سفيان المؤدب ولده حين دفعه إليه (ليكن أول ما تبدأ به من إصلاح بني إصلاح نفسك، فإن أعينهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنت، والقبيح عندهم ما استقبحت، وعلمهم سير الحكماء، وأخلاق الأدباء، وتهددهم بي، وأدبهم دوني، وكن لهم كالطبيب الذي لا يعجل بالدواء حتى يعرف الداء، ولا تتكلن على عذر مني فإني قد اتكلت على كفاية منك) .
ولا ريب أن المعلم إذا خالف فعله قوله فليس بقدوة، إذ ليس من العقل أن يأمر الإنسان غيره بالخير وينسى نفسه، والمريض لن يستطيع علاج مريض مثله. وإنك لتأسف عندما ترى أمارات الانحراف على عدد من المعلمين انحراف في التفكير . . انحراف في الزي واللباس. مجانبة لتعاليم الإسلام وأخلاقه. وهذا لا عذر له مع علمه، وذنبه أشد، لأنه تصدى لتعليم أبناء المسلمين الذين يعتقدون أنه الأسوة الحسنة، والقدوة المثلى.
إن على المدرس أن يكون عاملًا بعلمه، عند حسن ظن من ينظر إلى واقعه وسلوكه. لينشأ جيل صالح يكون قدوة لمن بعده، ولن يكون كذلك حتى يستقيم المدرس بنفسه، ويقود طلابه إلى الخير بأفعاله لا بأقواله.
وبقوة الإيمان وإخلاص النية وسلامة القصد، والاستعلاء على الشهوات والرغبات يتحول العلم - بإعانة الله - إلى عمل مشاهد، وواقع محسوس.