وإنه ليعجبني أن أذكر هنا جواب القاضي أبي عبد الله ابن البراء الأندلسي ليعقوب بن تاشفين حين طلب من أهل مملكته الإعانة، وأفتاه جماعة بجواز طلب ذلك من الرعية اقتداء بسيدنا عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - وهذا نصه:"أما بعد؛ ما ذكره أمير المسلمين من اقتضاء المعونة، وأن أبا الوليد الباجي وجميع القضاة والفقهاء بالعدوة والأندلس أفتوا بأن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - اقتضاها وكان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وضجيعه في قبره ولا شك في عدله...".
"فليس أمير المؤمنين ممن لا يشك في عدله؛ فإن كان الفقهاء والقضاة أنزلوك في منزلته في العدل؛ فالله سائلهم عما تقلدوه فيك، وما اقتضاها عمر حتى حلف في المسجد أن ليس عنده درهم واحد من بيت مال المسلمين؛ فلتدخل أنت المسجد الجامع وتحلف بحضرة أهل العلم. وحينئذ تستوجب ذلك!". هـ.
وقد قال الزرقاني على قول المختصر:"ودفعت - أي: الزكاة - للإمام العدل"، ما نصه:"ولا يجوز الإفتاء بأن العدل يأخذ الزكاة حيث شك في عدالته، كما يفيده كلام الأبياري؛ فإنه أفتى حين طلب الإمام من الرعية المعونة أنه: لا سبيل له إلى ذلك؛ لأن عدالته مشكوك فيها، والمفتون بأن عمر قد اقتضاها يبعثون في قبورهم إلى النار بلا زبانية. أي: إنه لم يصل به أحد في العدالة، ولإيهام كون المشكوك في عدالته عدلا".هـ.
وفي"نزهة الحادي"لما ترجم لسيدي محمد العياشي، بعد أن ذكر أن بعض القبائل دسوا للنصارى أيام محاربتهم له بأن محلته ليس فيها إقامة؛ قال ما نصه:"فأقام عليهم الحجة، وشاور العلماء في قتالهم؛ فأفتى سيدي العربي الفاسي بجواز مقاتلتهم لأنهم حادوا الله ورسوله، ووالوا الكفار ونصحوهم، ولأنهم تصرفوا في مال المسلمين ومنعوهم من الراتب، وقطعوا البيع والشراء عن الناس وخصوا به أنفسهم، وصادقوا النصارى وأمدوهم بالطعام والسلاح.".