فهرس الكتاب
3_ إيذاء الجيران بالجَلَبةِ: فمن الجيران مَنْ لا يأنف من إيذاء جيرانه بالجلبة، إما برفع الأصوات بالغناء والملاهي، أو برفع الصوت بالشجار بين أهل البيت، أو بلعب الأولاد بالكرة وإزعاجهم للجيران، أو بطرق باب الجار وضرب جرس منزله دون حاجة، أو بإطلاق الأبواقِ المزعجة أمام بيت الجار خصوصًا في الليل، أو في أوقات الراحة؛ فلربما كان أحد الجيران مريضًا، أو كبيرًا لا ينام إلا بشق الأنفس، أو لديه طفل يريد إسكاته وتهدئته، فلا يستطيع ذلك بسبب الإزعاج والجلبة.
4_ قلة المشاركة العاطفية للجيران: فمن الناس من لا هَمَّ له إلا خاصة نفسه، وما عدا ذلك لا يعنيه في قليل ولا كثير؛ فَفَرحُ الناس وحزنهم ومشكلاتهم لا تشغل حيِّزًا من تفكيره.
وتلك آفة سيئة، وأَثَرَةٌ قبيحة، وهي مع الجيران أسوأ وأقبح؛ فالجار الصالح من يُعنى بشؤون جيرانه، فيشاطرهم أفراحهم، ويشاركهم أتراحهم، فإن نالهم فَرَحٌ فَرِحَ معهم، وزاد من أنسهم، وإن نابهم تَرَحٌ شاركهم في مشاعرهم، وواساهم، وخفف عليهم مصابهم؛ فإن ذلك دليل الإيمان، وآية المروءة؛ فالمؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضًا، والمؤمنون في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر.
ولقد كان العرب يضربون المثل في حسن الجوار بجار أبي دؤاد، وهو كعب ابن مامة، فيقولون في مثلهم السائر: =جار كجار أبي دؤاد+.
فإن كعبًا كان إذا جاوره رجل فمات وداه [1] ، وإن هلك له بعير أو شاة أخلف عليه، فجاءه أبو دؤاد الشاعر مجاورًا له، فكان كعب يفعل به ذلك، فضربت العرب به المثل في حسن الجوار، فقالوا: جار كجار أبي دؤاد.
قال قيس بن زهير:
أطَوِّف ما أطوف ثم آوي ... إلى جار كجار أبي دؤاد [2]
(1) وداه: أي أعطى أهله مقدار ديته.
(2) انظر: مجمع الأمثال للميداني 1/289.