فهرس الكتاب
والعين تنطق والأفواه صامتة ... حتى ترى من ضمير القلب تبيانا
العين تبدي الذي في نفس صاحبها ... من العداوة أو ودٍّ إذا كانا [1]
ومن قال:
إن العيونَ على القلوب شواهد ... فَبَغِيْضُها لك بَيِّنٌ وحبيبُها
وإذا تلاحظت العيونُ تفاوضت ... وَتَحَدَّثَتْ عَمَّا تُجنُّ قلوبها
يَنْطِقْنَ والأفواهُ صامتةٌ فما ... يخفى عليك بريئُها ومريبها [2]
ومن قال:
لا تسألنَّ المرء عما عنده ... واسْتمْلِ ما في قلبه من قلبكا
إن كان بغضًا كان عندك مثلُهُ ... أو كان حبًا فاز منك بحُبِّكا [3]
ومن مقتضيات إضمار المحبةِ الدعاءُ للطلاب؛ فللدعاء سر عجيب في دوام الألفة، وقد لا تدركه الأبصار، ولكن تدركه القلوب التي في الصدور.
هذه بعض الأمور التي تحبب المعلم لطلابه، وتحببهم به.
فإذا أحببت الطلاب وأحبوك وجدت سعادتك بينهم أكثر مما تجدها في البيت وبين الأصحاب.
وإليك نبذة عن أحوال المعلمين مع الطلاب، وأحوال الطلاب مع المعلمين؛ فقد روى الذين دوَّنوا ترجمة الإمامِ الفاتحِ أسدِ بن الفرات، أنه لما كان يأخذ العلم عن الإمام محمد بن الحسن الشيباني، تلميذ الإمام أبي حنيفة كان الإمام محمد بن الحسن إذا رأى تلميذه أسد بن الفرات غلب عليه النوم وهو يسهر في تلقي العلم عنه نضح على وجهه رشاشًا من الماء؛ ليجدد له نشاطه؛ شفقة منه عليه، ورغبة منه في أن ينهض إلى مستوى الإمامة في العلم.
ولولا أن محمد بن الحسن تأدب بأدب الإسلام، وعمل بالمبدأ المحمدي في أن يكون لتلميذه كما يكون الوالد لولده _ لانتهز فرصة غلبة النوم على تلميذه، وأرجأ الدرس على الليلة الثانية.
(1) الخصائص لابن جني 1/247.
(2) الأبيات لمحمود الوراق، انظر ديوانه تحقيق د. وليد قصاب ص84.
(3) ديوان محمد الوراق ص156.