فهرس الكتاب
هذا مع ما عُلم من مقام الإمام محمد بن الحسن في الدولة، وكثرة أعماله العلمية، لكنه لما كان يعلم أن من أدب الإسلام أن يكون التلميذ بمنزلة الولد من الوالد التزم مع أسد بن الفرات هذا الأدب الرحيم، وكان من نتيجة ذلك نبوغُ أسدِ بن الفرات، وقيامه للملة الإسلامية بما لا يقوم بمثله إلا أفذاذ النوابغ من صفوة البشر [1] .
=ويقص علينا التاريخ أن في الأساتذة من يحرص على أن يرتقي طلابه في العلم إلى الذروة، ولا يجد في نفسه حرجًا من أن يظهر عليه أحدُهم في بحث أو محاورة.
يذكرون أن العلامة أبا عبدالله الشريف التلمساني كان يحمل كلام الطلبة على أحسن وجوهه، ويبرزه في أحسن صوره.
ويروى أن أبا عبدالله هذا كان قد تجاذب مع أستاذه أبي زيد ابن الإمام الكلامَ في مسألة، وطال البحث اعتراضًا وجوابًا، حتى ظهر أبو عبدالله على أستاذه أبي زيد، فاعترف له الأستاذ بالإصابة، وأنشد مداعبًا:
أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني+ [2]
والذي يقرأ مثل هذه السير تهتز في نفسه عاطفةُ احترام لمن أقر بالخطأ، أو اعترف لخصمه بخصلة حمد، وربما كان إكبارهم لمن أقر بالخطأ فوق إكبارهم لمن خالفه فأصاب.
وسبب هذا الإكبار عظمة الإنصاف، وعزة من يأخذ نفسه بها في كل حال.
وهذا الشيخ ابن التلمساني، أحد كبار علماء شمال أفريقيا سأله السلطان عن مسألة فقال: إن تلميذي فلانًا يحسن الجواب عنها، فوجه السلطان السؤال إلى تلميذ ابن التلمساني، فأحسن الجواب، فأجازه وأحسن منزلته، وكان ابن التلمساني أعلم من تلميذه فيما سأله عنه السلطان، لكنه؛ لاعتباره تلميذه بمنزلة ولده أراد أن يُنَوِّه به في حضرة السلطان كما لو كان ولده حقًا.
(1) انظر أحاديث في رحاب الأزهر للشيخ محمد الخضر حسين ص92_93.
(2) رسائل الإصلاح للشيخ محمد الخضر حسين 1/44.