فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 94

والطلبة في دستور الإسلام عرفوا كيف يقابلون هذا العطف الأبوي من أساتذتهم بما يكافئه من حرمة ومحبة وإجلال، ومن أقدم الأمثلة على ذلك ما رواه الشعبي، أن زيد بن ثابت ÷ صلّى على جنازة، ثم قربت إليه بغلته؛ ليركبها؛ فبادر إليه عبدالله بن عباس، فأخذ بزمام البغلة؛ ليساعده على الركوب، فقال له زيد: خل عنه يابن عم رسول الله، فأجابه ابن عباس _ رضي الله عنهما _: هكذا أمرنا أن نفعل بالعلماء.

وقد حافظ ذرية ابن عباس على هذا الأدب من التلاميذ نحو أساتذتهم بعد أن صار بنو العباس ملوك الدنيا؛ فقد نقل برهان الإسلام الزرنوجي، في كتاب تعليم المتعلم طرق التعلم _ =أن أمير المؤمنين هارون الرشيد بعث ابنه إلى الأصمعي؛ ليعلمه العلم والأدب، فرآه يومًا يتوضأ ويغسل رجله، وابن الخليفة يصب الماء على رجله، فعاتب الخليفةُ الأصمعيَّ بقوله: إنما بعثته إليك لتعلمه وتؤدبه؛ فلماذا لم تأمره بأن يصب الماء بإحدى يديه، ويغسل بالأخرى رجلك؟+ [1]

فانظر كيف رأى أن تقصير ابنه في ذلك تقصير في أدب التلميذ مع أستاذه.

وقد علمنا من سيرة ابن خلدون أنه لما رزئ بوفاة كبار شيوخه وكان منهم القاضي محمد بن عبدالسلام، والرئيس أبو محمد الحضرمي، والعلامة محمد ابن إبراهيم الأبلي _ ضاق به وطنُه؛ فترك مقامه الوجيه الذي وصل إليه في قصر الإمارة، ورحل عن تونس إلى الجزائر والمغرب الأقصى؛ لأن مقام أساتذته كان في نفسه فوق كل مقام.

وهذه المحبة الصحيحة التي يكنها التلميذ لأستاذه هي التي حملت العالم أحمد بن القاضي على أن يقول في شيخه المنجوري: =وصارت الدنيا تصغر بين عيني، كلما ذكرت أكل التراب للسانه، والدود لبنانه+.

ومن ذلك قول ابن عرفة:

إذا لم يكن في مجلس الدرس نكتة ... وإيضاح إشكال بأحسن صورة

الأبيات، فيجيبه تلميذه الأبي بقوله:

يمينًا بمن أولاك في العلم رتبة ... وزان بك الدنيا بأحسن زينة

(1) تعليم المتعلم طرق التعلم للزرنوجي ص82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت