فهرس الكتاب
لمجلسك الأعلى كفيل بكلها ... على حينما عنه المجالس ولت [1]
وهذه مقطوعة بعنوان (رفقًا بها) ، وقد قالها الشيخ محمد الخضر حسين في تونس مداعبًا أستاذه الشيخ سالم أبو حاجب بعد درس تعرض فيه إلى حكم التضحية بالظباء:
مدَّ في وجرةَ الحِبَالةَ يبغي ... قَنَصًا والظِّباء ترتع مرحى [2]
صادها ظبيةً وهمَّ بأن يصـ ... ـرعَها كالخروف في عيد أضحى
قلت: رفقًا بها ولا تُرْهِقَنْها ... وهي ترنو إليك صرعًا وذبحا
ما أظن السكِّين ترضى وفيها ... حِدَّةٌ أن تخط في الجيد جرحا
خلِّ عنها فَعَيْنُها أذكرتنا ... عينَ أسماءَ وهي بالبشر طفحى [3]
إن هذا الأدب الإسلامي الذي جعل من الطلبة أبناء للأساتذة كفلذات أكبادهم، وجعل من الأساتذة آباء لتلاميذهم، يعطفون عليهم أكثر من عطف الآباء على أبنائهم _ هو الأدب اللائق بنا أن نرجع إليه؛ لنجدد في تاريخنا عهدًا سعيدًا، فننعم به، ونسعد بنعمته.
والطلبةُ الذين يكتسبون من دراستهم مثل هذا الأدب ينالون به من السعادة أضعاف ما ينالون به من دراسة العلم مهما تقدموا فيه.
فمن ذلك قلة المراعاة للمشاعر حال تقديم النصيحة؛ فتجد بعض الناصحين لا يلبس نصيحته أثوابًا ملائمة لأحوال المنصوحين، ولا يبالي بأقدارهم، ومنازلهم؛ بل ربما ألقاهم جزافًا دون تلطف، وحسن مدخل وتأتٍّ.
وقل مثل ذلك في حال بعض المنصوحين؛ حيث تراهم يردون النصيحة، ويزرون بالناصح.
وكم سقت في آثارهم من نصيحة ... وقد يستفيد البغضة المتنصح
ومن ذلك قلة المراعاة لمشاعر العمال, والغرباء, والصغار, والمرؤوسين؛ وذلك باحتقارهم, أو هضم حقوقهم أو ما شاكل ذلك.
(1) انظر أحاديث في رحاب الأزهر للشيخ محمد الخضر حسين ص 92_95.
(2) وجرة: مرتع للوحش، والحبالة: المصيدة، والقنص: الصيد.
(3) خواطر الحياة ديوان محمد الخضر حسين ص69.