فهرس الكتاب

الصفحة 54 من 94

ولا ريب أن هذه المعاني من أعظم ما يرتقي بالمشاعر، ويحفظ للناس أقدارهم، وينأى بهم عن السفاسف والمحقرات.

بل إن كرام الناس إذا مدحوا أبت لهم هممهم أن يكونوا دون ما مدحوا به؛ فمن ذلك ما حكي أن هارون الرشيد لما سمع قول الشاعر:

تراه في الأمْنِ في دِرْعٍ مُضاعفةٍ ... لا يأمن الدهرَ أن يُدعى على عَجَلِ

سأل عنه وعمن قيل فيه، فقيل له: لمسلم بن الوليد الشاعر، في قائد الجيوش يزيد بن مزيد الشيباني _ وكان يزيد يقول للرشيد: والله يا أمير المؤمنين، لأحرصن على أن لا أكذب شعرائي فيما يمدحونني به _ فأمر الرشيد بإحضار يزيد على الحالة التي يُصادَف عليها، فأحضروه وعليه ثياب خلوته مُلَوَّنة، فلما نظر إليه الرشيد في تلك الحالة، قال: أكذبت شاعرك يا يزيد! قال: فيم يا أمير المؤمنين؟ قال في قوله:

تراه في الأمن في درع مضاعفة ... لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل

فقال يزيد: لا والله يا أمير المؤمنين، ما أكذبته، وإن الدرع عليَّ ما فارقتني، وكشف ثيابه، وإذا عليه درع مظاهرة [1] .

بل إن الثناء الصادق مما تنشرح له صدور العظماء، ويشعرهم بصواب ما هم عليه، ويقودهم إلى مزيد من الخير والإحسان، ويسد عليهم باب الكسل الذي يواجههم به المخذِّلون، والمبالغون في النقد.

ولهذا سلكت هداية القرآن الكريم هذا المهيع؛ فكم هي الآيات التي ورد فيها الثناء من الرب الكريم _ جل وعلا _ على بعض عباده الصالحين؟.

إنها كثيرة جدًا، منها قوله _ تعالى _ في الثناء على نوح _ عليه السلام _: [ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا] الإسراء: 17.

وقوله _ تعالى _ في حق إبراهيم _ عليه السلام _: [إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ] هود: 75.

(1) نوادر في الأدب لمحمد المكي بن الحسين ص94.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت