فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 94

ومن خلال ما مضى يتبين لنا أنه يجب على الإنسان ألا يسترسل مع سوء الظن، وألا يحمل الآخرين على أسوء المحامل، بل عليه أن يتعامل مع الحقائق الثابتة، وأن يطَّرح الأوهام التي ينسجها خياله جانبًا؛ لأن الذي يلاحظ أن فئامًا من الناس يجرحون إحساسات الآخرين، ويفسرون تصرفاتهم تفسيرًا غريبًا بعيدًا عن الحقيقة؛ فتراهم يتصورون أشخاصًا يدبرون لهم المكايد، ويحيكون لهم الدسائس؛ ففلان إنما يسارُّ فلانًا في أمره، وفلان قابل فلانًا؛ لتدبير مؤامرة له.

وهكذا من أنواع السخافات التي لا تنتهي، والتي تقضي على الأخضر واليابس من المودات، والمشاعر السامية.

6_ قلةُ الخلافِ، والتماسُ الرضا: فذلك من أعظم ما يحفظ الود، ويطفئ نار الحقد والحسد.

قال الأحنف بن قيس ×: =لو جلست إلى مائة لأحببت أن ألتمس رضا كل واحد منهم+ [1] .

وقال أبو إسحاق السبيعي ×: =ثلاث يصفين لك ود أخيك: السلام إذا لقيته، وأن تدعوه بأحب أسمائه، وأن لا تماريه+ [2] .

قال أبو غسان غناة بن كليب: اجتمعت أنا ومحمد بن النضر الحارثي وعبدالله ابن المبارك والفضيل ورجل آخر، فصنعت لهم طعامًا، فلم يخالف محمد ابن النضر علينا في شيء، فقال له ابن المبارك: ما أقلَّ خِلافكَ، فأنشد:

وإذا صاحبتَ فاصحبْ ماجدًا ... ذا حياءٍ وعفافٍ وكرمْ

قوله للشيء لا إن قلت لا ... وإذا قلت نعم قال نعم [3]

وقال الشافعي ×:

أحبُّ من الإخوان كل مُواتِ ... وكل غضيض الطرف عن عثراتي

يساعدني في كل أمر أحبه ... ويحفظني حيًا وبعد مماتي

فمن لي بهذا ليت أني وجدته ... فقاسمته ما لي من الحسنات [4]

(1) بهجة المجالس لابن عبدالبر 1/45.

(2) الصداقة والصديق ص158.

(3) الصداقة والصديق ص113_114.

(4) الصداقة والصديق ص196، وانظر ديوان الشافعي ص36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت